راءيت، والرياء، ورئاء
يتجه عندي قراءة من قرأ {رأى القمر}، بقي إمالة الراء مع إذهاب إمالة الهمزة، كما أن المضيف بقى الكسرة في الفاء مع ذهاب كسرة العين التي من أجلها أبدل من فتحة الفاء كسرة، وإذهاب إمالة فتحة الراء في هذا هو الوجه.
وقال أبو زيد: "راءيت: فاعلت، الرجل مراءاة، والاسم الرياء، وتقول: رأيت الرجل ترئية إذا أمسكت له المرآة لينظر فيها". فقولهم الرياء: فعال من رأيت، والياء التي هي همزة لام انقلبت همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة، وفي التنزيل {بطرا ورئاس الناس}.
فإن قال قائل: هلا أبدلت من الهمزة الأولى التي هي عين في "رثاء" واو، كما أبدلت منها الواو في قولهم في جمع ذؤابة: "ذوائب"؛ ألا ترى أن ما بعد الراء من "رئاء" بمنزلة ما بعد الذال من "ذوائب"؟
قيل له: إن المصدر بمنزلة الفعل، يدلك على ذلك أنه يعمل كما يعمل، وأنه يعتل كما يعتل في "عدة" و "يعد"، وتذكر أحدهما فيكون كذكرك الآخر، نحو "سقيا"، ونحو "من كذب كان شرا له"، ونحو قوله تعالى {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم}، فلما كان المصدر بمنزلة الفعل، وكانت هذه الهمزة الثانية في "رثاء" إنما هي في PageV01P051
المصدر، والمصدر كالفعل، وكان الفعل لا همزة فيه إذا قلت "رأيت"، صارت الهمزة الثانية كأنها غير لازمة، وإذا لم تكن لازمة لم يلزم بدل الأولى كما لزم في "ذوائب".
فإن قلت: فهلا لم يلزم البدل في "ذوائب" لأنه في واحدها غير ثابت، وفي تحقيره أيضا غير لازم، فكما لم يبدل في "رثاء" حيث لم يكن لازما في الفعل، فكذلك لا يبدل في الجمع، واجعل الواحد من الجمع، والتكسير من التصغير، كالمصدر من الفعل؟
قيل: ليس الواحد من الجمع كالمصدر من الفعل؛ ألا ترى أن ما يعتل في الواحد يصح في الجمع نحو "معيشة ومعايش" و "مقامة ومقاوم"، فالمصدر مع الفعل ليس كالواحد من الجمع؛ لأن المصدر يعل إعلال الفعل، فصار بذلك بمنزلة، والجمع لا يعل لإعلال واحده، بل يخالف فيهما، فيصحح الجمع، فحكماهما مختلفان؛ ألا ترى أن المصدر يتبع الفعل في الإعلال، ولا يتبع الجمع الواحد، وكذلك التصغير مع الواحد هو كالتكسير، وكذلك التصغير مع التكسير هو بناء آخر ومعنى غيره؛ لأن فيه مثل "عشيشية" و"أبينون" و "لييلية" و "أصيلال" و "مغيربان" ونحو ذلك، فلهذا صحح في "رثاء" الهمز، ولم يقلب كما قلب في "ذوائب". وإنما لم يعتل في التصحيح في "رثاء" والإعلال في "ذوائب" بأن "ذوائب" جمع و"رثاء" واحد؛ لأن ذلك لا يستقيم على قول الخليل وسيبويه، وذلك أنهما يجعلان هذا الضرب من الجمع المكسر في حكم الآحاد، ومن ثم قالوا في مثل "برد" من البياض": إنه "بيض" مثل "فعل" الذي هو جمع "أفعل"، والذي هو جمع "فعول"، فخفف. PageV01P052
وقد يجيء على قول أبي الحسن أن يحتج بأن هذا جمع، و"رثاء" واحد، فاحتمل الهمزات لخفة الواحد، كما احتمل "عتو" وبابه الواوين، ولم يحتملهما نحو "عصي، وحقي".
ولسيبويه أن يقول: إن إعلال الواو في "عصي" ونحوه لا يدل على أنه إنما فعل ذلك لأنها أثقل عندهم من الآحاد؛ لأن هذا القلب قد جاء أيضا في الآحاد؛ ألا ترى أنه قد جاء في التنزيل {وكان عند ربه مرضيا}، وجاء في موضع فيه {من الكبر عتيا} وفي مكان آخر {عتوا}. وقالوا "مسنية"، وهو من قولهم: يسنوها المطر. فإذا جاء هذا في الآحاد مجيئه في الجموع، لم يكن للجمع في ذلك مزية ليست للآحاد. وأيضا فإن الهمزة في "رثاء" لم تقلب وإن كانت قد قلبت في "ذوائب"؛ لأن الهمزة الثانية في "رثاء" لما كانت بدلا غير لازمة، كانت بمنزلة المبدل منه؛ ألا ترى أن الهمزة في "صحراء" وبابه لما لم تكن لازمة كانت بمنزلة الألف التي هي بدل منها في منع الصرف، كما كانت الهمزة في "علباء" بمنزلة الياء التي هي بدل منها، وكما كانت الهاء في "هراق" بمنزلة الهمزة، فلو سميت ب "هراق" مذكرا PageV01P053