الإزار والإزرة
ومثل ذلك في التنزيل من قوله {وإذ قال إبراهيم لأبيه
آزر
} قياسه أن يكون "أفعل".
وأخبرنا أبو إسحاق أنه ليس بين الناس اختلاف أن اسم أبي إبراهيم "تارح"، والذي في القرآن يدل على أن اسمه "
آزر
"، وقيل: "
آزر
" ذم في لغتهم، كأنه: لا مخطئ. قال: وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع. قال: وقد يكون على هذا الوجه صفة، كأنه: لأبيه المخطئ. ومحمله على أنه "أفعل"، وإن أمكن أن يكون "فاعل" قياسا على الأكثر.
ومن العجمي الذي وافق لفظ العربي نحو "الإزار" و "الإزرة"، وفي PageV01P359
التنزيل {أخرج شطأه فآزره". فأما قوله {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها} فعلى القصر، و [أتينا] على هذا: "فعلنا" من الإتيان. ومن قرأ (آتينا بها) جعلها على "فاعلنا" فالهمزة في كلتا القراءتين على هذا أصل.
فأما قوله {ثم سئلوا الفتنة لآتوها}، فقد قرئ {لأتوها} بالقصر، و {لآتوها} بالمد. فمن قال {آتوها} كانت الهمزة زائدة على قراءته، ولم تكن مثل الذي {آتينا بها} في من مد، في أنها أصل في مد، كما كانت كذلك في من قصر. ومن قرأ {لأتوها} فلمكان المسألة، كأنه: لو سئلوا لأعطوها، ولأتوها: جاؤوها من الإتيان، حسن؛ لأن في قوله PageV01P360
{ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة} دليلا على أنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإتيان والوقوف معه، فكأن المعنى: ويستأذن فريق منهم النبي في أن لا يأتوه لاشتغالهم بحفظ بيوتهم المعورة في زعمهم، {ولو دخلت عليهم من أقطارها} أي: لو بلغ من إعوار البيوت أن دخل عليهم من جوانبها كلها لفرط إعوارها، ثم سئلوا معونة العدو على المسلمين لأتوها وأسرعوا إليها، ولم يعتلوا عليهم أن بيوتهم عورة، كما اعتلوا به في إرادتهم تأخرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ونصرهم، فالمعنى: يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في أن يقعدوا عنه ولا يأتون، وهم يأتون العدو لينصروهم ويعينوهم على المسلمين لو سألوهم، فالقراءة ب {أتوها} أشكل بما قبله وما بعده، وأشبه بالقصة؛ لأن القصة في تركهم نصرة النبي عليه السلام وقعودهم عنهم؛ ألا ترى أن بعدها {ولا يأتون البأس إلا قليلا}.
ومن قرأ {لآتوها} يريد: لأعطوها، فهو في المعنى راجع إلى هذا؛ لأن إعطاءهم الفتنة معونتهم على المسلمين، وإتيانهم للعدو لهم ناصرين، ف {أتوها} أشد إبانة للمعنى المراد.
وهذه الآية في المعنى قريبة من قوله {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} أي: في نصرهم، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة}، فقوله {يسارعون فيهم} مثل {ثم سئلوا الفتنة لآتوها}؛ لأن في الموضعين PageV01P361
دلالة على أنهم إلى المعونة على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين مسارعون، وعلى ذلك متضافرون، وهم عنه غير متثاقلين، فكما أن المسارعة إليهم إتيان، فكذلك ينبغي أن تكون القراءة {لأتوها} بالقصر.
و {نخشى أن تصيبنا دائرة} يقرب من قوله {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}، إلا أنهم في هذه الآية كأنهم أشد بأسا في النصر، لحرصهم على أن ما وعدهم الله والرسول به غرور، ويجتمعان في الإخبار عنهم بأن قلوبهم لم تثلج بالإيمان، ولم تسكن إلى قول الرسول والقرآن وما أخبروا به من الظفر، ووعدوا به من الفلح والنصر في قوله تعالى {ليظهره على الدين كله}، وقوله {ألا إن حزب الله هم المفلحون}، وما أشبه هذا من الآي التي تدل على غلبة الإسلام وأهله، وقمع الكفر والشرك.