ونظير هذا في التثنية من الجمع قولهم "مقتوو، " في أحد قولي سيبويه PageV01P341
حيث لم يكن له واحد يفرد. يريد أنه لما بني "مذروان" على التثنية، كذلك بني هذا على الجمع حيث لم يفرد له واحد من هذا اللفظ، كما لم يستعمل واحد "مذروين". وقال فيه أيضا: "إن شئت قلت: جاؤوا به على الأصل كما قالوا مقاتوة، حدثنا بذلك أبو الخطاب" يريد: إن شئت صححت الواو في جمع التصحيح كما صحت في جمع التكسير؛ لأن جمع التصحيح قد جرى مجرى التكسير؛ ألا ترى أنهم قالوا "الأشعرون" كما قالوا "الأشاعرة"، كانهم كسروا "أشعر"، كما أنهم في "الأشعرون" إياه جمعوا، فكما أجروا التصحيح مجرى التكسير في هذا، كذلك أجروه مجراه في التصحيح.
ويحتمل - عندي - وجها ثالثا، وهو أن تكون الواو صحت في هذا الموضع ليكون تصحيحها دلالة على إرادة النسب وأمارة له، كما صحت العين في "عور" وأجتوروا" ليكون دلالة على أن المراد "اعور" و "تجاوروا"، فكذلك صححت في "مقتوى" ليكون التصحيح دلالة على إرادتهم النسب، قال أبو عثمان: ولم يجئ في كلامهم مثل "مقاتوة" إلا قولهم "قوم سواسوة"، سمعته من أبي عبيدة.
وإذا كان البناء على التأنيث وما أشبه التأنيث من التثنية والجمع قد احتمل ما لا يحتمله غيره من تصحيح ما لا يصحح إذا لم يقع البناء على التأنيث؛ كانت هذه الكلمة جديرة بالتصحيح لبنائها على التأنيث مع ما ذكرنا من ملازمة المثل الثاني الأول، وأنها لا تتصرف. PageV01P342
أحرفها
والدليل على أنها مبنية على التأنيث وأن التاء له ما حكاه أبو الحسن من أنهم يقولون "آوتاه"، وإبدالهم إياهم تاء في الدرج، ولا يمتنع بناؤها، وأنها لم تتصرف للحاق تاء التأنيث بها؛ ألا ترى أنهم قد قالوا: كان من الأمر ذية وذية، وكية وكية، فألحقوا تاء التأنيث هذه الأسماء وإن كانت مبنية. وقالوا "هيهاة"، فألحقوها التاء. وقالوا "منه" في الوقف. وأحلقوا التاء في الحروف في نحو "لات" و"ثمت" و"ربت". فإذا لحقت الحروف لم يمنع أن تلحق هذه الكلمة أيضا.
فإن قلت: ما حروف هذه الكلمة؟
فالقول: إن الفاء منها همزة، والعين واللام واوان. أما كون الفاء همزة فقد تقدمت الدلالة عليه. وأما لاعين فبين أنها واو؛ ألا ترى أنها لو كانت ياء لم تصح الواو المدغم فيها، كما لم تصح في "سيد" ونحوه.
فإن قلت: فلم لا تكون اللام همزة وقد أبدلت واوا للتخفيف على حد قولهم [في] أبو أيوب: "أبويوب"، وكما قالوا في المتصل "سوة" في "سوءة"؟
قيل: لا ينبغي ذلك لأمرين: أحدهما أن هذا النحو من القلة بحيث لا يجب أن يقاس عليه. والآخر أنه لو كان كذلك لكان التحقيق قد جاء فيه كما جاء في "سوءة"، ولم يجئ هذا النحو مثل "النبي" و "البرية" و"الخابية". ومن هنا يفسد قول من قال: إن "أول" مأخوذ من "وأل". ويفسد أيضا قولهم "أولى"، لأنه لو كان كما زعم لجاز تصحيح الفاء. وعلى PageV01P343
أن باب "قوة" أكثر من باب "أجأ" بكثير، ولو لم يكن إلا هذا لكان كافيا. والهاء قد تقدم أنها للتأنيث بدلالة ما حكاه أبو الحسن من قولهم "آوتاه"، وقلبهم لها في الصلة تاء، كما فعل بغيرها مما ألحق للتأنيث.
فأما قولهم "تأوه" فيحتمل - عندي - قولين: أحدهما - وقد قيل - أنه يكون مأخوذا من جملة الكلام، كقولهم "هلل" و "لبى"، فأخذ من حروف قولنا "لا إله إلا الله" حروف صيغ منها هذا الفعل، وكذلك أخذ "لبى" من "لبيك" مع ما فيه من حرف التثنية. فكما أخذ من الكلمة وما فيها من حرف التثنية، كذلك أخذ من هذه الكلمة مع ما فيها من تاء التأنيث.