مسألة: "اثناء عشر": كيف أعرب من بين سائر الأعداد التي بين العشرة والعشرين
مسألة
سأل سائل عن قولهم "اثنا عشر": كيف أعرب من بين سائر الأعداد التي بين العشرة والعشرين؟
والقول في ذلك إنه أعرب من بين ما أشبهه من الأعداد؛ لأن "عشرا" من "اثني عشر" بمنزلة النون، وليس "عشر" معه بمنزلته مع سائر الأعداد الذي يشبهه مما ضم "عشر" فيه إلى ما قبله وبني معه، فلما لم يكن مثله فلم يلزم بناؤه؛ إذ المعنى الموجب فيه للبناء هو تضمنه معنى حرف العطف منضما إلى الصدر، فلما عري قولهم "اثنا عشر" من ذلك لم يلزم فيه البناء، ووجب إعرابه، كما وجب إعراب سائر الأسماء المتمكنة العارية من شبه الحرف وتضمنه لمعناه. ومن الدليل على أن "عشرا" من "اثني عشر" ليس كسائر هذه الأعداد، أنها عاقبت النون فلم تجتمع معه، فلما عاقبتها علم أنها بدل منها، إذ ليس هنا إضافة توجب حذف النون لها، فهذه النون إنما تحذف للإضافة.
ويدل على ذلك أيضا أن "عشرا" فيه لا يخلو من أن يكون مضموما إلى الأول على حد "أحد عشر" و"ثلاثة عشر" ونحوه مما جعل الاسمان فيه اسما واحدا، لوجب أن يكون "اثنا عشر" في جميع الأحوال الثلاث بالياء؛ لأنه كان يلزم أن يفتح آخر الصدر، كما تفتح أواخر الصدور إذا لم تكن حروف لين، PageV01P308
من هذه الأسماء "خمسة عشر" و"بيت بيت"؛ لأن الفتح نظير النصب؛ ألا ترى أن من فتح "هيهاة" في الواحد قال في جمعه "هيهات" فكسر، فجعله في كسر التاء في جمعه بمنزلة ما كان الواحد منه منصوبا، فكذلك لاو كان "عشر" مضموما إلى "اثنين" من "اثني عشر" لوجب أن يكون بالياء في جميع الأحوال، كما أنها لو كانت منصوبة كانت بالياء؛ لأن الفتح بمنزلة النصب، ومن ثم قالوا إنك لو سميت رجلا بنحو "زيدين" و "البحرين" ثم ناديته في قول من قال "يا زيد بن عمرو" لقلت "يا بحرين بن زيد" و"يا زيدين بن بكر". وكذلك لو سميت ب"فلسطين" في قول من قال "هذه فلسطون" و"سكنت فلسطين"، قلت: "يا فلسطين بن زيد" و"يا يبرين بن عمرو"، فتحتها. وكذلك "يا أذرعات بن زيد"، فتكسره في موضع الفتحة، كما تكسره في موضع النصبة، ومن ثم قالوا "لا يدين بها لك"، فجعلوها في موضع الفتح بالياء، كما جعلوه في موضع النصب بها. وهذا أصل هذه المسائل؛ لأن قولهم "لا يدين بها لك" مسموع منهم.
فإن قلت: فلم لا تكون الياء فيه للنصب الصحيح، ولا تكون للبناء، كما أن الفتحة في "لا غلام رجل عندك" نصب صحيح، كما قال من خالف سيبويه؟
فالقول: إن ذلك ليس بنصب صحيح كالفتحة التي تكون في "لا مثل زيد" و"لا خيرا في زيد عندك"؛ لأن قولك "لا يدين بها لك" بمنزلة "لا رجل لك" و"لا قوة إلا بالله"؛ ألا ترى أنه ليس بمضاف إلى شيء، كما أن PageV01P309
ما ذكرت من ذلك نحو "لا غلام رجل" مضاف، وإذا لم يكن مضافا كان في حكم الأسماء المفردة المبنية على الفتح في هذا الباب، وكون حرف التثنية فيه لا يمنع من بنائه مع "لا" وجعله معها بمنزلة اسم واحد؛ ألا ترى أن حرف التثنية ليس بشيء مضاف إليه ك"رجل" في "لا غلام رجل"، وإنما هو بمنزلة تاء التأنيث وألفيه، وكياءي النسب. فكما أنك لو قلت "لا كرسي لك" و "لا بصري عندك" و"لا جمعة له"، لم يمتنع أن تبني هذه الأسماء مع "لا"، فتجعلها معها كاسم واحد، كذلك لا يمتنع في ذلك من المثنى والمجموع لموافقتهما ما ذكرنا في أنه ليس بمضاف، وأنه في حكم الإفراد.