ترى أنهم لم يقولوا في رجل اسمه "ثور" أو "يربوع" أو "أسد": "الثور" ولا "الحجر" ولا نحو هذا.
فإن قلت: فقد قالوا "الفضل" في رجل اسمه "فضل".
فإنما ذلك لأنه على حد الصفة، كأنهم جعلوه عبارة عن الحدث الذي هو خلاف النقص من حيث جاز في "حسن" أن يقصد بالتسمية ذلك، كما حسن أن يقصد ب "الحارث" و "العباس"، فدخلت اللام في هذا على حد دخولها في "الحارث" و "الصعق". وعلى هذا دخلت في قولنا "القرآن".
فأما قول الشاعر:
أما ودماء لا تزال كأنها ... على قنة العزى وبالنسر عندما
فقال "بالنسر". وفي التنزيل {ولا يغوث ويعوق ونسرا}. وما حكاه سيبويه من أنهم يقولون "هذا يوم اثنين مباركا فيه" ويقولون أيضا "يوم الاثنين"، وما حكاه أبو زيد، من قولهم: لقيته الندرى وندرى وفي الندرى وندرى، وفينة والفينة بعد الفينة، فليس من باب "الحارث" و "حارث"، ولكنه مما تعاقب عليه ضربان من التعريف مختلفان، وعلى هذا جاء "إلاهة" و "الإلاهة" في اسم الشمس. PageV01P287
وإن شئت قلت: إن اللام في نحو "النسر" زائدة، كما جاءت زائدة في قول الآخر:
باعد أم العمرو من أسيرها
وكقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى:
يا ليت أم العمرو كانت صاحبي
وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وحكى عنه أنه قال: "الألف واللام فيه زائدتان". ويجوز أن يكون قد اعتوره تعريفان مثل "فينة" و "الفينة". ويجوز أن تجعله للتعريف على أن "أوبر" نكرة، وإنما امتنع من الصرف في قولهم "بنات أوبر" للوصف لا للتعريف؛ ألا ترى أن سيبويه قد أجاز في "ابن عرس" في قول من قال "هذا ابن عرس مقبل" أن يكون نكرة، فكذلك يكون "أوبر" نكرة على هذا الحد، ثم يتعرف باللام. PageV01P288
لام المعرفة أربعة أضرب
فأما [ما] في التنزيل من قوله {واليسع} فقد تكون اللام فيه زائدة؛ لأن نحو "يزيد" و "يشكر" و "تغلب" إذا جعلت أعلاما لم تدخلها اللام كما تدخل "الحارث". ومن قال {الليسع} أمكن أن يكون من باب "الحارث" لأنه على ألفاظ الصفة ك "الضيغم" و "الجيدر"، وإن كان أعجميا في هذا الوجه أيضا فالأشبه أن تكون زائدة؛ لأن الأعجمية تلحق هذه اللام شيئا منها. ومما يقوي زيادة هذه اللام أن أبا الحسن حكى أنهم يقولون "الخمسة العشر درهما".
فاعلم أن لام المعرفة لا تخلو من اربعة أضرب: أحدها أن تكون تعريفا للجنس. الآخر: أن تكون تعريفا للواحد من الجنس. والثالث: أن تكون تعريفا للإشارة إلى حاضر. والرابع: أن تكون زائدة.
فأما كونها تعريفا للجنس فكقولك "الملك أفضل من الإنسان" و "أهلك الناس الدينار والدرهم"، وفي التنزيل {إن الإنسان خلق هلوعا} ثم قال {إلا المصلين}، فدل استثناء الجماعة منه على أن المراد به الكثرة والعموم لامتناع استثناء الجماعة من الواحد. وهذه الإشارة في أسماء الأجناس إنما هي إلى ما في عقول الناس وأفهامهم من معرفة الجنس، وليس على حد الإشارة إلى الواحد من الجنس الذي عرف حسا كقولنا "الرجل" PageV01P289
ونحن نعني به واحدا بعينه مخصوصا بعهد لنا به؛ ألا ترى أن جميع الجنس لا يعلمه أحد من الناس من هذا الوجه كما نعلم من هذه الجهة الواحد من الجنس، فإذا كان كذلك تبين أن الجنس لم يعلم من حيث علم الآحاد منه.