بستان العارفين
للفقيه الزاهد العالم العامل والأستاذ المحدث المتقن الكامل
مولانا الشيخ نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي
رضي الله عنه آمين PageV01P301 PageV01P302
{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} (قرآن كريم)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد له رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى عباد الله الصالحين من أهل السموات والأرضين.
(قال الفقيه) أبو الليث الزاهد نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمة الله تعالى عليه: إني قد جمعت في كتابي هذا من فنون العلم ما لا يسع جهله ولا التخلف عنه للخاص والعام واستخرجت ذلك من كتب كثيرة وأوردت فيه ما هو الأوضح للناظر فيه والراغب إليه، وبينت الحجج فيما يحتاج إليه من الحجة بالكتاب والأخبار والنظر والآثار، وتركت الغوامض من الكلام، وحذفت أسانيد الأحاديث تخفيفا للراغبين فيه وتسهيلا للمجتهدين والتماسا لمنفعة الناس، وأنا أرجو الثواب من الله تعالى [وسميته: بستان العارفين] وأسأل الله التوفيق فإنه عليه يسير وهو على ما يشاء قدير نعم المولى ونعم النصير.
الباب الأول: في طلب العلم
(قال الفقيه) رحمه الله: اعلم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على قدر ما يحتاج إليه لأمر دينه مما لا بد له من أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع ولأمور معاشه، وما وراء ذلك ليس بفرض خاص فإن تعلم الزيادة فهو أفضل وإن تركه فلا إثم عليه. وإنما قلنا إن تعلم مقدار ما يحتاج إليه فريضة لأن الله تعالى قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقال في آية أخرى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} فأخبر الله تعالى أنهم صاروا من أهل النار لجهلهم. PageV01P303
وروى مكحول عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) وفي خبر آخر ((اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أصحابه، وعليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه. ثم تكلم الناس في طلب الزيادة قال بعضهم: إذا تعلم من العلم مقدار ما يحتاج إليه ينبغي أن يشتغل بالعمل به ويترك التعلم، وقال بعض الناس: إذا اشتغل بزيادة العلم فهو أفضل بعد أن لا يدخل النقصان في فرائضه وهذا القول أصح. فأما حجة الطائفة الأولى فيما روى جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن أبي الدرداء قال: ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم ولا يعمل به سبع مرات. وروي عن فضيل بن عياض أنه قال: من عمل بما يعلم شغله الله تعالى عما لا يعلم. وقال: لأن العمل لنفسه وطلب الزيادة لغيره، فالاشتغال بأمر نفسه بما هو لنفسه أولى لأن فكاك رقبة نفسه أهم إليه: وأما حجة الطائفة الأخرى فقول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} الآية، وقال في آية أخرى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال في آية أخرى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب} الآية. قال أهل التفسير: يعني كونوا فقهاء علماء. وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فضل العلم خير من العمل وملاك دينكم الورع)). وعن الحسن البصري رحمه الله قال: من العمل أن يتعلم الرجل العلم فيعلمه الناس. وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تذاكر العلم ساعة من الليلة أحب إلى الله من إحيائها. وعن عوف بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي ذر الغفاري فقال: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه ولا أعمل به، فقال: إنك إن تتوسد بالعلم خير لك من أن تتوسد بالجهل، ثم ذهب إلى أبي الدرداء فسأله فقال أبو الدرداء: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه: العالم عالما والجاهل جاهلا، ثم ذهب إلى أبي هريرة فسأله عن ذلك فقال له أبو هريرة: كفى بتركه ضياعا. وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: الناس رجلان عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وسائرهم همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، والعلماء باقون ما بقي الدهر وأعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، ولأن منفعة العمل لنفسه خاصة ومنفعة العلم ترجع إلى نفسه وإلى الناس عامة فصار هذا أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الناس من ينفع الناس)) وروي ((أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال: العلم، فسأله ثانيا وثالثا فأجابه مثل جوابه الأول، فقال: يا رسول الله عليك السلام إني أسالك عن العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل يقبل الله الأعمال إلا بالعلم)) وروي ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أفضل ما يتصدق به العبد أن يتعلم العلم ثم يعلمه غيره)) والأخبار في هذا كثيرة. PageV01P304