[مقدمة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذه " فصول وأبواب في أصول الفقه ". تشمل على معرفة طرق استنباط معاني القرآن، واستخراج دلائله، وأحكام ألفاظه، وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب، والأسماء اللغوية، والعبارات الشرعية، والله نسأل التوفيق لما يقربنا إليه، ويزلفنا لديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه
[باب العام]
[فصل في الظواهر التي يجب اعتبارها]
باب العام
وفيه فصول: فصل في الظواهر التي يجب اعتبارها
من الظواهر التي يجب اعتبارها: ما روي في خبر ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سئل عن الماء يكون في الفلاة من
الأرض، وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا» ، فسئل عن حكم النجاسات، فأجاب عن الدواب والسباع بجواب مطلق، فدل على نجاسة سؤر السباع، لولا ذلك لبينه - عليه السلام -، وفصل حكمه في الجواب. فهذا، وما جرى مجراه، هو من الظواهر التي يجب اعتبارها في إيجاب الأحكام بها. ومن الظواهر التي يجب اعتبارها: أن يرد لفظ عموم معطوف عليه ومع ذلك فيمكن استعماله في نفسه إذا أفرد عما قبله.
فالجواب فيما إذا كان هذا سبيله اعتباره بنفسه من غير تضمين بما قبله إلا أن تقوم دلالة النظير بما عطف عليه. نحو قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: 4] إلى قوله
{وأولات الأحمال أجلهن} [الطلاق: 4] وإن كان معطوفا على غيره فإنه يمكن إجراء حكمه على ما أوجبه ظاهر لفظه من غير تضمين له ما تقدمه؛ لأنه لو ورد منفردا عما تقدمه لزمه الحكم بما تضمنه من غير افتقار إلى ورود بيان فيه. وليس لأحد أن يقصر هذا الحكم على المطلقة من المتوفى عنها زوجها من أجل أن ما تقدمه من ذكر العدد وارد في بيان المطلقة دون المتوفى عنها زوجها وهو قوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: 4] وذلك أن كل لفظ قائم بنفسه غير مفتقر إلى غيره متى حملناه على غيره وقصرنا حكمه عليه فقد خصصناه. والتخصيص لا يجوز إلا بدلالة، فوجب من أجل ذلك حمل اللفظ على مقتضاه منفردا عما قبله. فإن قال قائل: وقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم لأن معناه غير مفهوم من ظاهره إذ ليس الأجل مختصا بالعدد دون غيرها. قيل له: هذا المعنى الذي ذكرناه كان معقولا من ظاهر الآية عند المخاطبين بها ولم يكونوا مفتقرين عند سماعها في معرفة حكمها إلى بيان يرد من غيرها، والدليل عليه «أن فريعة بنت مالك لما أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأله عن الانتقال عن بيت زوجها في عدتها - وكان قد قتل عنها - قال لها - صلى الله عليه وسلم -: لا حتى يبلغ الكتاب أجله» .
فلم تحتج هذه المرأة مع سماع هذا اللفظ إلى بيان من غيره مع كونها جاهلة بالحكم، ولو لم يكن هذا اللفظ مكتفيا في إلزامها السكون في بيت زوجها ما دامت معتدة لما اقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لها عليه حتى يرده تبيان يزول معه الإشكال لا سيما وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها جاءت مستفتية له جاهلة الحكم. ويدل على صحة ما ذكرنا أن عبد الله بن مسعود كان يقول (من شاء باهلته أن قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] نزل بعد قوله تعالى {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234]