المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللهم على جزيل نعمائك، وأسألك المزيد من صلاتك وسلامك على خاتم أنبيائك، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وأما بعد: فإني ألفيت أشق ما يضطلع به أهل العلم من عمل أن يوكل إليهم تحقيق كتاب صنف وكتب قبل زمانهم، وقد رأيت أنه على قدر بعد العهد بالتصنيف والكتابة يكون الجهد، وتثقل التبعة، وأن العمل يكون أكثر تعقدا وأثقل تبعة إذا لم يتيسر من نسخ الأصل سوى نسخة فريدة أو ما هو بمنزلة ذلك من النسخ التي أخذ بعضها عن بعض، وما من شك في أنه لا يقدر هذا الجهد الجاهد إلا من عرف ما يكابده العالم الحريص على بلوغ الغاية التي يصبو إليها من الدقة والإتقان، وهذا وحده عناء ليس من فوقه عناء.
وهذا كتاب " الموازنة بين الطائيين أبي تمام و
البحتري
" أحد تصانيف الإمام النقادة أبي القاسم الحسن بن بشر بن يحيى،
الآمدي
، البصري، المتفوي في عام 370 من الهجرة، أقدمه لقراء العربية بعد الذي كابدت في تحقيقه، وأنا مطمئن - أو قريب من الطمأنينة - إلى أنهم سيجدون فيه طلبة طالما تاقت إلها نفوسهم، وأنهم سيقءون نسخة صحيحة من كتاب نشره الوراقون قبل اليوم ثلاث مرات وكأنه لم ينشر؛ لكثرة ما شاع فيه من تحريف، ونقص، وسوء ترتيب.
وقد كانت النية على أن أنشر - مع هذه الكلمة - بحثا أتعرض فيه لتأريخ فن النقد الأدبي، ثم أرسم لك طريقة أب يالقاسم الآمدي في كتابه، وأذكر لك ما تجمع لدي من الملاحظات عليه بعد أن صحبته أمدا ليس بالقصير، وأحدثك - على الأخص - عن تحامله على أبي تمام وإغضائه الإغضاء البالغ عن البحتري. كما كانت النية منعقدة على أن أنشر مع الكتاب أنواعا من الفهارس الأبجدية أعددتها له؛ ولكن ظروفا قاهرة عاقتني عن كل ذلك، وأهونها ظروف الحرب القائمة التي جعلت الحصول على الورق من أعقد الأمور، وإنه ليهون على نفسي فوات هذه الأغراض، ويهونها على نفسك معي، أنك لن تجد بدا من استيعاب الكتاب قراءة وتدبرا، وأنك حين تنتهي من قرائته ستكون قد أدركت من ذلك الشيء الكثير.
والله المسئول أن ينفع بهذا العمل على قدر الإخلاص فيه، وأن يهيئ له فرصة أخرى يخرج فيها للناس على وجه أقرب إلى الكمال.
عن منيل الروضة في سعبان 1363 يوليه 1944 كتبه المعتز بالله تعالى - محمد محي الدين عبد الحميد