فقال لي : قد نزل القرآن بالتكذيب , لا بالتصديق, فقال الله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره }
فقلت له : قد نزل القرآن بالتصديق , لا بالتكذيب , بدلالة قوله تعالى في سياق الآية : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } (الزمر: من الآية67) , ثم نزه نفسه عز وجل عما يشرك به من كذب بصفاته , فقال : { سبحانه وتعالى عما يشركون }
وقوله { وما قدروا الله حق قدره } لا يمنع من إثبات الأصابع صفة له , كما ثبتت صفاته التي لا أختلف أنا وأنت فيها , ومع هذا فما قدروا الله حق قدره , كذلك أيضا نثبت الأصابع صفة لذاته تبارك وتعالى , وما قدروا الله حق قدره
فلما رأى ما لزمه قال : هذا ظن من ابن مسعود أخطأ فيه
فقلت له : هذا قول من يروم هدم الإسلام, والطعن على الشرع , لأن من زعم أن ابن مسعود ظن ولم يستيقن فحكى عن النبي صلى الله عليه وسلم على ظنه فقد جعل إلى هدم الإسلام مقاتله , هذه بأن يتجاهل أهل الزيغ فيتهجموا على كل خبر جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوافق مذهبهم , فيسقطونه بأن يقولوا :
هذا ظن من الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ لا فرق بين ابن مسعود , وسائر الصحابة رضي الله عنهم , وهذا ضد ما أجمع عليه المسلمون , وقد أكذب القرآن مقالة هذا القائل في الآية التي شهد فيها لابن مسعود بالصدق في جملة الصحابة PageV01P007 ثم قلت له : والأصابع قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أصحابه, منهم أنس بن مالك في حديث الأعمش عن أبي سفيان عن أنس رضي الله عنه قال :
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
قال : قلنا : يا رسول الله , آمنا بك , وبما جئت به , فهل تخاف عليها ؟, قال : نعم , إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها ))(¬1)
[ حديث الصورة ] PageV01P008 ? ثم قال لي : تروي حديث أبي هريرة (( خلق آدم على صورته ))(¬1), ويومىء إلى أنه مخلوق على صورة آدم , فقلت له : قال أحمد بن حنبل : من قال : إن آدم خلقه عز وجل على صورة آدم فهو جهمي , وأي صورة كانت لآدم قبل خلقه(¬2)
فقال لي : قد جاء الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله خلق آدم على صورة آدم ))
فقلت له : هذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم
فقال لي : بلى قد جاء في الحديث : (( طوله ستون ذراعا )) [ على ](¬3)أنه آدم PageV01P009 فقلت له : قد [ رد ](¬1)هذا , وليس هو الذي ادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم , لأنك قلت عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله خلق آدم على صورة آدم )) , ثم استدللت بقوله : (( ستون ذراعا )) على أنه آدم , وهذا خبر جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله خلق آدم على صورته ))
وروى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تقبحوا الوجوه , فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن ))(¬2)
قال أبو إسحاق : وهذا الحديث يذكر عن إسحاق بن راهويه أنه صحيح مرفوع
وأما احمد بن حنبل فذكر أن الثوري أوقفه على ابن عمر , [ فكلاهما الحجة فيه على من خالفه , فإن كان رفعه صحيحا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد سقط العذر , وإن كان ابن عمر القائل له فقد اندحض بقول ابن عمر تأويل من حمل قوله على صورته ](¬3) PageV01P010 قال أبو إسحاق : وهذا لم يجر بيني وبينه , وإنما بينته لأصحابي ليفهموه(¬1)