رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه في الرسالة التي كتب إلى أحمد بن عبد الكريم صاحب الأحساء أحد الصلحاء أولا قبل أن يفتتن، فنذكر منها شيئا لمشابهة من رددنا عليه كصاحب الرسالة وهذا نصها:
"من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن الكريم سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، أما بعد:
وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت وتذكر أن عليك إشكال تطلب إزالته ثم ورد منك رسالة تذكر أنك عثرت على كلام شيخ PageV01P009 الإسلام أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام، وعلى أي شيء يدل كلامه؟ على أن من عبد الأوثان عبادة اللات والعزى وسب دين الرسول بعد ما شهد به مثل سب أبي جهل أنه لا يكفر بعينه؟ بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن عبدالله وأمثالهما كفرا ظاهرا ينقل عن الملة فضلا عن غيرهما، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم وفي كلام الشيخ الذي ذكرت أنه أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء وسب دين الرسول بعدما أقر وشهد به ودان بعبادة الأوثان بعدما أقر بها، وليس في كلامي هذا مجازفة بل أنت تشهد به عليهم، ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه، وإنما أخاف عليك من قول الله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} .
والشبهة التي دخلت عليك من أجل هذه البضيعة التي في يديك تخاف أن تضيع أنت وعيالك إذا تركت بلد المشركين، وشاك في رزق الله، وأيضا قرناء السوء، وأنت والعياذ بالله تنزل درجة أول مرة في الشك وبلد الشرك وموالتهم والصلاة خلفهم" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل قوله في تكفير هؤلاء العلماء وفي كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأنه صريح في كلام ابن القيم رحمه الله وفي حكايته عن صاحب الرسالة، وحكم عليه بأية المنافقين وأن هذا حكم PageV01P010 عام، وكذلك تأمل اليوم حال كثير ممن ينتسب إلى الدين والعلم من أهل نجد يذهب إلى بلاد المشركين ويقيم عندهم مدة يطلب العلم منهم ويجالسهم، ثم إذا قدم على المسلمين وقيل له: اتق الله، وتب إلى ربك من ذلك، استهزأ بمن يقول له ذلك، ويقول: أتوب من طلب العلم؟ ثم يظهر من أفعاله وأقواله ما ينبئ عن سوء معتقده وزيفه، ولا عجب من ذلك لأنه عصى الله ورسوله بمخالطة المشركين فعوقب، ولكن العجب من أهل الدين والتوحيد لانبساطهم مع هذا الجنس الذين أرادوا أن يقرنوا بين المشركين والموحدين، وقد فرق الله بينهم في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى في تلك الرسالة بعدما ذكر كثرة من ارتد عن الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم كالذين في زمن أبي بكر رضي الله عنه حكموا عليهم بالردة بمنع الزكاة، وكأصحاب علي وأهل المسجد الذين بالكوفة وبنو عبيد القداح كل هؤلاء حكموا عليهم بالردة بأعيانهم، ثم قال: وأما عبارة شيخ الإسلام ابن تميمة التي لبسوا بها عليك فهي أغلط من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرا من المشاهير بأعيانهم، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا عن ما يعذر به فهو PageV01P011 كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} وقوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} وإذا كان كلام الشيخ ليس في الردة والشرك بل في المسائل الجزيئات.