(8) أخبرنا محمد قال: وأنشدني أبو بكر عبد الله بن حميد المؤدب أيضا في ذلك:
[البحر الرمل]
وترى المؤمن في الدنيا ... غريبا مستفزا
فهو لا يجزع من ذل ... ولا يطلب عزا
وتراه من جميع الخلق ... خلوا مشمئزا
ثم بالطاعة ما عاش ... وبالخير ملزا [ص: 24]
(9) قال محمد بن الحسين رحمه الله: فإن قال قائل: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» ؟ قيل له: كان الناس قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم أهل أديان مختلفة , يهود ونصارى ومجوس وعبدة أوثان , فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم من كل طبقة منهم غريبا في حيه , غريبا في قبيلته , مستخفيا بإسلامه , قد جفاه الأهل والعشيرة , فهو بينهم ذليل حقير , محتمل للجفاء , صابر على الأذى , حتى أعز الله عز وجل الإسلام , وكثر أنصاره وعلا أهل الحق , وانقمع أهل الباطل , فكان الإسلام في ابتدائه غريبا بهذا المعنى , وقوله صلى الله عليه وسلم: «وسيعود غريبا» معناه والله أعلم: أن الأهواء المضلة تكثر فيضل بها كثير من الناس ويبقى أهل الحق الذين هم على شريعة الإسلام غرباء في [ص: 25] الناس لقلتهم , ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة , كلها في النار إلا واحدة , فقيل: من هي الناجية؟ فقال: ما أنا عليه وأصحابي , وبقوله صلى الله عليه وسلم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه , ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم , [ص: 26] فإن فيهم أيام الصبر الصبر فيهن كقبض على الجمر , فهذه صفة من صفات الغريب الصابر على دينه حتى يسلم من الأهواء
(10) المضلة , ومن صفة الغرباء أيضا التي نعت بها أهل الحق أن يكون الغالب على الناس في جميع أمورهم مثل مؤاخاة الإخوان , وصحبة الأصحاب , ومجاورة الجيران , وصلة الأرحام , وعيادة المرضى وشهود الجنائز , وما يجري عليهم من المصائب , وما يسرون به من الأفراح بالدنيا والمتاجرة والمعاملة والمحبة والبضعة والمزاورة والملاقاة والمجالسة والاجتماع في الولائم وأشباه لهذه الأمور , فإن جميع ذلك يجري بينهم على خلاف الكتاب والسنة لغلبة الجهل عليهم ولدروس العلم فيهم , فإذا أراد المؤمن العاقل الذي قد فقهه الله عز وجل في الدين وبصره عيوب نفسه , وقبيح ما الناس عليه ورزقه معرفة بالتمييز بين الحق والباطل , وبين الحسن والقبيح وبين الضار والنافع , وعلم ما له مما عليه إذ ألزم نفسه العمل بالحق بين ظهراني من قد جهل الحق , بل الغالب عليهم اتباع الهوى , لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم , فإذا نظروا إلى من يخالفهم على طريقتهم ثقل ذلك عليهم فمقتوه وخالفوه وطلبوا له العيوب فأهله به متضجرون وإخوانه به متثقلون ومعاملوه به غير راغبين في معاملته , وأهل الأهواء له على مذهب الحق مخالفون , فصار غريبا في دينه لفساد دين أكثر الخلق غريبا في معاملته لكثرة فساد معاش أكثر الخلق , غريبا في مؤاخاته وصحبته لكثرة فساد صحبة الناس ومؤاخاتهم , غريبا في جميع أمور الدنيا والآخرة لا يجد على ذلك مساعدا يفرح به ولا مؤانسا يسكن إليه , فمثل هذا غريب مستوحش لأنه صالح بين فساق , وعالم بين جهال , وحليم بين سفهاء , يصبح حزينا , ويمسي حزينا , كثير غمه قليل فرحه , كأنه مسجون كثير البكاء كالغريب الذي لا يعرف ولا يأنس به أحد , يستوحش منه من لا يعرفه فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وسيعود غريبا كما بدأ» والله أعلم. قلت: فلو تشاهده في الخلوات يبكي بحرقة , ويئن بزفرة , ودموعه تسيل بعبرة , فلو رأيته وأنت لا تعرفه لظننت أنه ثكلى قد أصيب بمحبوبه , وليس كما ظننت , وإنما هو خائف على دينه أن يصاب به , لا يبالي بذهاب دنياه إذا سلم له دينه , قد جعل رأس ماله دينه يخاف عليه الخسران , كما قال الحسن رحمه الله: رأس مال المؤمن دينه , حيث ما زال زال معه، لا يخلفه في الرحال، ولا يأتمن عليه الرجال. قلت: وللغريب أوصاف كثيرة , قد ذكرت منها ما يكتفى به عن الكثير من القول