مطلب خروج عبد الملك بنفسه لقتال مصعب بن الزبير
حدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو عثمان، قال: أخبرني العتبى، عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان، رحمه الله، كان يوجه إلى مصعب جيشا بعد جيش فيهزمون، فلما طال ذلك عليه واشتد غمه أمر الناس فعسكروا ودعا بسلاحه فلبسه، فلما أراد الركوب قامت إليه أم يزيد ابنه وهي عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فقالت: يا أمير المؤمنين، لو أقمت وبعثت إليه لكان الرأى، فقال: ما إلى ذلك من سبيل، فلم تزل تمشى معه وتكلمه حتى قرب من الباب، فلما يئست منه رجعت فبكت وبكى حشمها معها، فلما علا الصوت رجع إليها عبد الملك فقال: وأنت أيضا ممن يبكى! قاتل الله كثيرا، كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يقول:
إذا ما أراد الغزو لم تثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها
ثم عزم عليها بالسكوت وخرج.
وبعد هذين البيتين يقول:
ولم يثنه يوم الصبابة بثها ... غداة استهلت بالدموع شئونها
ولكن مضى ذو مرة متثبت ... بسنة حق واضح مستبينها
وفى عبد الملك يقول كثير:
أحاطت يداه بالخلافة بعد ما ... أراد رجال آخرون اغتيالها
وفى هذه القصيدة يقول فيه أيضا:
فما أسلموها عنوة عن مودة ... ولكن بحد المشرفى استقالها
وكنت إذا نابتك يوما ملمة ... نبلت لها أبا الوليد نبالها
سموت فأدركت العلاء وإنما ... يلقى عليات العلا من سما لها
وصلت فنالت كفك المجد كله ... ولم تبلغ الأيدي السوامي مصالها
وحدثني أبو بكر بن دريد، رحمه الله، قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن هشام، قال: قال العباس بن عبد الوليد عبد الملك لمسلمة بن عبد الملك:
ألا تقنى الحياء أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتى وعذلى
فلولا أن أصلك حين تنمى ... وفرعك منتهي فرعى واصلى
وأنى إن رميتك هضت عظمى ... ونالتنى إذا نالتك نبلى
لقد أنكرتنى إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمي وأكلى
كقول المرء عمرو في القوافى ... لقيس حين خالف كل عدل
عذيرى من خليلى من مراد ... أريد حياته ويريد قتلى
يريد: عمرو بن معد يكرب، وقيس بن مكشوح
وحدثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: حدثني من سمع أعرابيا يقول لصديق له: «دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس من حكى عنك نكرا توسعه فيك عذرا»
قال: وأخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: قال أعرابى كبير السن: «أصبحت والله تقيدني الشعره، وأعثر بالبعرة، وقد أقام الدهر صعرى بعد أن أقمت صعره» الصعر الميل
وأنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: أنشدنا بعض أهل المدينة لخارجة بن فليح المللى:
ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلات النوال تجود
ألا طرقت ليلى لقى بين أرحل ... شجاه الهوى والنأي فهو عميد
فليت النوى لم تسحق الخرق بيننا ... وليت الخيال المستراث يعود
إذا لأقاد النفس من فجعة الهوى ... بليلى وروعات الفؤاد مقيد
كأن الدموع الواكفات بذكرها ... إذا أسلمتهن الجفون فريد
إذا أدبرت بالشوق أعقاب ليلة ... أتاك بها يوم أغر جديد
حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو حاتم، عن الأصمعى، قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: أنت عندى كسالم، فلم يدر ما هو، فكتب إلى قتيبة يسأله، فكتب إليه: إن الشاعر يقول: