لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وأنشدنا غير واحد من أصحاب أبى العباس منهم: ابن السري، والأخفش ابن درستويه، قالوا: أنشدنا أبو العباس المبرد، لعبد الصمد بن المعذل فيه:
سألنا عن ثمالة كل حى ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لى المبرد خل عنى ... فقومى معشر فيهم نذاله
وأنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنى سعيد بن هارون:
فلو أبصرت دارك في محل ... يحل الحزن فيه والسرور
رأيت منادحا لم يرع فيها ... ملال مذ نايت ولا فتور
قال يخاطب امرأة يقول: لو رأيت محلك في قلبى، فلم يستقم له الشعر، فقال: دارك وقوله: يحل الحزن فيه والسرور يعنى القلب، لأن الحزن والسرور فيه يكونان.
وقوله: منادحا، يعنى متسعا.
وقوله: لم يرع فيها ملال مذ نأيت ولا فتور، مثل.
مطلب خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام وشرح غريب ذلك
وحدثنا أبو بكر، رحمه الله، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابى فقال: يا مسلمون، إن الحمد لله والصلاة على نبيه، إنى امرؤ من أهل هذا الملطاط الشرقى المواصى أسياف تهامة، عكفت على سنون محش، فاجتبت الذري، وهشمت
العري، وجمشت النجم، وأعجت البهم، وهمت الشحم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم، وغادرت التراب مورا، والماء غورا، والناس أوزاعا، والنبط قعاعا، والضهل جزاعا، والمقام جعجاعا، يصبحنا الهاوى، ويطرقنا العاوى، فخرجت لا أتلفع بوصيده، ولا أتفوت هبيده، فالبخصات وقعة، والركبات زلعة، والأطراف قفعة، والجسم مسلهم، والنظر مدرهم، أعشو فأغطش، وأضحى فأخفش، أسهل ظالعا، وأحزن راكعا، فهل من آمر بمير، أو داع بخير، وقاكم الله سطوة القادر، وملكة الكاهر، وسوء الموارد، وفضوح المصادر.
قال: فأعطيته دينارا، وكتبت كلامه واستفسرته ما لم أعرفه قال أبو بكر: الملطاط: أشد انخفاضا من الغائط وأوسع منه، وحكى اللحيانى، عن الأصمعى، أنه قال: الملطاط: كل شفير نهر أو واد.
والمواصي والمواصل واحد، يقال: تواصى النبت إذا اتصل بعضه ببعض.
وأسياف جمع سيف، وهو ساحل البحر.
وعكفت: أقامت.
والسنون: الجدوب.
ومحش جمع محوش، وهى التى تمحش الكلا، أى تحرقه.
واجتنبت، افتعلت من الجب، يقال جببت السنام إذا قطعته، وكل شيء استأصلته فقد جببته.
وهشمت: كسرت.
والعرى جمع عروة، والعروة: القطعة من الشجر لا يزال باقيا على الجدب ترعاه أموالهم، قال التغلبى: يروى:
خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام
ويروى: وعراعر، وهم السادة.
وجمشت: احتلقت، قال رؤبة: أو كاحتلاق النورة الجموش والنجم: ما نجم ولم يستقل على ساق.
وأعجت أى جعلتها عجايا، والعجي: السيئ الغذاء المهزول، قال الشاعر:
عدانى أن أزورك أن بهمي ... عجايا كلها إلا قليلا
وهمت: أذابت، العرب تقول: همك ما أهمك، أى أذابك ما أحزنك.
قال: وقال أبو بكر: التحبت اللحم: عرفته عن العظم.
وأحجنت العظم، أى عوجته فصيرته كالمحجن.
والمور:
الذي يجيء ويذهب، قال إسماعيل: والمرو: الطريق، رواه أبو عبيدة، والمور بضم الميم: الغبار بالريح قال أبو بكر: الغور: الغائر: وأوزاع: فرق.
والنبط: الماء الذى يستخرج من البئر أول ما تحفر، قال الشاعر: