وصية رجل أعمى من الأزد لشاب يقوده وشرحها
قال: وحدثنا أبو بكر بن دريد، رحمه الله، قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، قال: رأيت ببيشة رجلا من أزد السراة أعمى يقوده شاب جميل وهو يقول له: يا سمى، لا يغرنك أن فسح الشباب خطوك، وخلى سربك، وأرفه وردك، فكأنك بالكبر قد أرب ظوفك، وأثقل أوقك، وأوهن طوقك، وأتعب سوقك، فهدجت بعد الهملجة، ودججت بعد الدعلجة، فخذ من أيام الترفيه لأيام الإنزعاج، ومن ساعات المهلة لساعة الإعجال، يا ابن أخي، إن اغترارك بالشباب كالتذاذك بسمادير الأحلام، ثم تنقشع فلا تتمسك منها إلا بالحسرة عليها، ثم تعرى راحلة الصبا، وتشرب سلوة عن الهوى، واعلم أن أغنى الناس يوم الفقر من قدم ذخيرة، واشدهم اغتباطا يوم الحسرة من أحسن سريرة: السرب: الطريق والوجه، قال ذو الرمة:
خلى لها سرب أولادها وهيجها ... من خلفها لاحق الصقلين همهيم
والرفة أن تشرب الإبل في كل يوم، وأرب: شد، يقال: أربت العقد إذا شددته، والأربة: العقدة، وقال أبو بكر: يقال: ظفت البعير أظوفه إذا دانيت بين قينيه، والقينان: موضعا القيد من الوظيف.
: الأوق: الثقل، والهملجة: سرعة في المشي، قال يعقوب بن السكيت: دج يدج دجيجا إذا مر مرا ضعيفا، قال الأصمعي: هو الدججان، أنشد أبو على:
تدعو بذاك الدججان الدارجا.
قال قطرب: الدعلجة: ضرب من المشي، والدعلجة: الدحرجة، والدعلجة: الظلمة، والدعلج: الحمار، والدعلجة: الذهاب والمجىء، والدعلجة: لعبة للصبيان، والدعلجة: الأكل بنهم، وأنشد
: يأكلن دعلجة ويشبع من عفا
والسمادير: ما يتراءى للإنسان في نومه من الأباطيل، وما يتراءه السكران في سكره، وقد قال بعض اللغويين: قد اسمدر بصره إذا ضعف.
قال وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، قال: استعمل المهلب يزيد على حرب خراسان، واستعمل المغيرة على خراجها، ولم يول البختري بن المغيرة بن أبي صفرة فكتب اليه:
اقر السلام على الأمير وقل له ... إن المقام على الهوان بلاء
أصل الغدو إلى الرواح وإنما ... أذني وأذن الأبعدين سواء
أجفى ويدعي من ورائي جالسا ... ما بالكرامة والهوان خفاء
فوجد عليه المهلب وألزمه منزله، فكتب إليه:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه
وكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلا وإتخذني لنوبة ... تلم فإن الدهر جم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
فرضي عنه وعزل المغيرة وولاه
قال: وقرأت على أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، لعمر بن أبي ربيعة:
يا ربة البغلة الشهباء هل لكم ... أن ترحمي عمرا لا ترهقي حرجا
قالت بدائك مت أو عش تعالجه ... فما نرى لك فيما عندنا فرجا
قد كنت حملتني غيظا أعالجه ... فإن تقدني فقد عنيتنا حججا
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غيظ وما نضجا
فقلت لا والذي حج الحجيج له ... ما مج حبك من قلبي وما نهجا
ولا رأى القلب من شيء يسر به ... مذ بان منزلكم عنا وما ثلجا
كالشمس صورتها غراء واضحة ... تغشي إذا برزت من حسنها السرجا
ضنت بنائلها عنه فقد تركت ... من غير جرم أبا الخطاب مختلجا
قال وحدثني أحمد بن يحيى، عن حماد بن إسحاق، قال: دخل عمر بن أبي ربيعة المسجد الحرام وهو يحاصر رجلا من قريش، فنظر إلى عائشة بنت طلحة جالسة بفناء الكعبة، فعدلا إليها وحادثاها، فقال عمر: ألا أنشدك ما قلت في موسمنا هذا؟ قالت: بلى، فأنشدها: