سؤال أعرابي الأصمعي
قال وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عثمان الأشنانداني، قال: كنا يوما في حلقة الأصمعي إذ أقبل أعرابي يرفل في الخزوز، فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعي، فقال: ما معنى قول الشاعر:
لا مال إلا العطاف توزره ... أم ثلاثين وابنة الجبل
لا يرتقي النز في ذلاذله ... ولا يعدى نعليه عن بلل؟
قال: فضحك الأصمعي، وقال:
عصرته نطفة تضمنها ... لصب تلقى مواقع السبل
أو وجبة من جناة أشكلة ... إن لم يرغها بالقوس لم تنل
قال: فأدبر الأعرابي، وهو يقول: تالله ما رأيت كاليوم عضلة! ثم أنشدنا الأصمعي القصيدة لرجل من بني عمرو بن كلاب، أو قال من بني كلاب قال أبو بكر: هذا يصف رجلا خائفا لجأ إلى جبل وليس معه إلا قوسه وسيفه: هو العطاف، وأنشدنا:
لا مال لي إلا عطاف ومدرع ... لكم طرف منه حديد ولي طرف
وقوله:
أم ثلاثين وابنة الجبل
يعني كنانة فيها ثلاثون سهما، وابنة الجبل: القوس لأنها من نبع لا ينبت إلا في الجبال، وقوله لا يرتقي النز أي ليس هناك نز، والنز: الندى لأنه في جبل، والذلاذل: ما أحاط بالقميص من أسفله، واحدها ذلذل وذلذل، وقال أبو زيد وذلذل.
وقوله لا يعدى نعليه عن بلل أي لا يصرفهما عن بلل أي ليس هناك بلل، والعصرة والعصر والمعتصر: الملجأ.
والنطفة: الماء، يقع على القليل منه والكثير وليس بضد، واللصب كالشق يكون في الجبل وقوله: تلقى مواقع السبل أي قبل وتضمن والسبل: المطر، والوجبة الأكلة في اليوم، وقال الأصمعي، سمعت أعرابيا، يقول: فلان يأكل الوجبة ويذهب الوقعة أي يأكل في اليوم مرة ويتبرز مرة، والجناة والجنى واحد: وهو ما اجتني من الثمر، والأشكلة: سدر جبلي لا يطول
أنشدنا أبو بكر:
عوجا كما اعوجت قسي الأشكل
وأنشدنا مرة: قياس الأشكل والأشكل: جمع أشكلة
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، قال: دخل أعشى بني ربيعة على عبد الملك بن مروان وعنده ابناه الوليد وسليمان، فقال له: يا أبا المغيرة، ما بقي من شعرك؟ فقال: والله لقد ذهب أكثره، وأنا الذي أقول:
ما أنا في أمري ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا سالم قرني
ولا مسلم مولاي عند جناية ... ولا مظهر عيني وما سمعت أذني
وفضلني في الشعر والعلم أنني ... أقول على علم وأعلم ما أعني
فأصحت إذا فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن
فقال عبد الملك: من يلومني على حب هذا! وأمر له بجائزة وقطيعة بالعراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج على واجد، فكتب إليه بالصفح عنه، وبحسن صلته، فأمر له الحجاج بذلك
وأنشدنا أبو بكر بن الأنبارى قال: أنشدنا ثعلب، قال: أنشدنا ابن الأعرابي:
ويأخذ عيب المرء من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
قال: وقال لنا بعض المشايخ: هذا البيت مبني على كلام الأحنف بن قيس، وقال له رجل: ادللني على رجل كثير العيوب، فقال: اطلبه عيابا فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه.
وحدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: نزلت في واد من أودية بني العنبر وإذا هو معان بأهله وإذا فتية يريدون البصرة، فأحببت صحبتهم فأقمت ليلتي تلك عليهم، وإني لوصب محموم أخاف لا أستمسك على راحلتي، فلما قاموا ليرحلوا أيقظوني، فلما رأوا حالي رحلوا بي وحملوني، وركب أحدهم ورائي يمسكني، فلما أمعنوا في السير: تنادوا: ألا فتى يحدو بنا أو ينشدنا؟ فإذا منشد في جوف الليل بصوت ند حزين يقول: