تفسير ما جاء من الغريب في حديث الشاب الجميل العاشق
وحدثنا أبو بكر، رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: مررت بحمى الربذة فإذا صبيان يتقاسمون في الماء وشاب جميل الوجه ملوح الجسم قاعد، فسلمت عليه، فرد على السلام وقال: من أين وضح الراكب؟ قلت: من الحمى، قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحا، قال: وأين كان مبيتك؟ قلت: أدنى هذه المشاقر، فألقى نفسه على ظهره وتنفس الصعداء، فقلت: تفسأ حجاب قلبه، وأنشأ يقول:
سقى بلدا أمست سليمى تحله ... من المزن ما تروي به وتسيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه ... يحل به شخص على كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه ... لدى وإن شط المزار نعيم
ومن لامني فيه حميم ... وصاحب فرد يغيظ صاحب وحميم
ثم سكت سكتة كالمغمى عليه، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول:
إذا الصب الغريب رأى خشوعى ... وأنفاسى تزين بالخشوع
ولى عين أضر بها التفاتى ... إلى الأجراع مطلقة الدموع
إلى الخلوات تانس فيك نفسى ... كما أنس الوحيد إلى الجميع
قوله: يتقامسون: يتغاطون، يقال قمسته في الماء، ومقلته وغمسته وغططته.
وقال لى أبو بكر ابن دريد، رحمه الله تعالى: المشاقر: منابت العرفج، وقال غيره: المشاقر: الرمال، وأحدها مشقر، وأنشدنى لذى الرمة:
كان عرى المرجان منها تعقلت ... على أم خشف من ظباء المشاقر
مطلب أوصاف الشيء البالي
وقوله: تفسأ حجاب قلبه، يقال تفسأ الثوب، وتهما إذا تشقق، وتهتأ إذا انشق من البلى، ويقال: تسلسل الثوب وأسمل، وجرد وانجرد، وأسحق وانسحق وأنهج، ومح، وأمح، وهمد: كله إذا أخلق.
والسمل والجرد والسحق والنهج: الخلق، قال ذو الرمة:
قف العنس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاف الرداء المسلسل
وقال كثير: فأسحق برداه ومح قميصه فأثوابه ليست لهن مضارج وقال العجاج: ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا من طلل كالأتحمي أنهجا وقال الأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك باليات همدا
والحشيف: الخلق أيضا، قال الهذلى:
أتيح لها أقيدر ذو حشيف ... إذا سامت على الملقات ساما
وكذلك الدرس والدريس، قال المتنخل:
قد حال دون دريسية مئوبة نسع ... لها بعضاه الأرض تهزيز
مئوبة: ريح جاءت مع الليل.
ونسع ومسع: اسم من أسماء الشمال.
والهدمل: الثوب الخلق، قال تأبط شرا:
نهضت إليها من جثوم كأنها ... عجوز عليها هدمل ذات خيعل
والهدم: الخلق، قال الكميت:
فأصبح باقى عيشنا وكأنه ... لواصفه هدم الخباء المرعبل
إذا حيص منه جانب راع جانب ... بفتقين يضحى فيهما المتظلل
والمرعبل: الممزق.
وحيص: خيط.
والطمر: الخلق
وأنشدنا أبو بكر بن الأنبارى، رحمه الله، عن أبيه، عن أحمد بن عبيد، لشاعر قديم:
وعاذلة هبت بليل تلومنى ... ولم يغتمرنى قبل ذاك عذول
تقول اتئد لا يدعك الناس مملقا ... وتزري بمن يابن الكرام تعول
فقلت أبت نفس على كريمة ... وطارق ليل غير ذاك يقول
ألم تعلمى يا عمرك الله أننى ... كريم على حين الكرام قليل
وإنى لا أخزي إذا قيل مملق ... سخي وأخزي أن يقال بخيل
فلا تتبعى العين الغوية وانظرى ... إلى عنصر الأحساب أين يؤول
ولا تذهبن عيناك في كل شر شرمح ... له قصب جوف العظام أسيل
عسي أن تمني عرسه أنني لها ... به حين يشتد الزمان بديل
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم ... بعارفة حتى يقال طويل