مطلب خطبة عبد الله بن الزبير لما سأل الوفد عن مصعب فأثنوا عليه خيرا
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عثمان، عن التوزي، عن أبي عبيدة، قال: قدم وفد العراق على ابن الزبير وهو في المسجد الحرام فسلموا عليه فسألهم عن مصعب، فقالوا: أحسن الناس سيرة، وأقضاه بحق، وأعدله في حكم، فلما صلى الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئين
حتى إذا شابوا وشيبوني ... خلوا عناني ثم سيبوني
أيها الناس، إني سالت الوفد عن مصعب فأحسنوا الثناء عليه وذكروا ما أحبه، وإن مصعب أطبى القلوب حتى ما تعدل به، والأهواء حتى ما تحول عنه، واستمال الألسن بثنائها، والقلوب بنصحها، والنفوس بمحبتها، فهو المحبوب في خاصته، المحمود في عامته، بما أطلق الله لسانه من الخير، وبسط يده من البذل، ثم نزل
وحدثنا أبو بكر، رحمه الله، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: قدم أعرابي البصرة فنزل على قوم من بني العنبر وكان فصيحا، فكنا نسير إليه فلا نعدم منه فائدة، فجدر ثم برأ فأتيناه يوما فأنشدنا:
ألم ياتها أني تلبست بعدها ... مفوفة صناعها غير أخرقا
وقد كنت منها عاريا قبل لبسها ... فكان لباسيها أمر وأعلقا
أعلق: أشد مرارة، وهذه الكلمة أول كلمة سمعتها من أبي بكر بن دريد، دخلت عليه وهو يملى على الناس، العرب تقول: هذا أعلق من هذا، أي أمر منه، وأنشدنا:
نهار شراحيل بن طود يريبني ... وليل أبي ليل أمر وأعلق
أي أشد مرارة.
وحدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: قدم أعرابي من بني ضبة البصرة فخطب امرأة من قومه فشطوا عليه في المهر، فأنشأ يقول:
خطبت فقالوا هات عشرين بكرة ... ودرعا وجلبانا فهذا هو المهر
وثوبين مرويين في كل شتوة ... قلت الزنا خير من الجرب القشر
وأنشدنا أبو بكر بن دريد، قال: أنشدني أبو عثمان سعيد بن هارون:
وشعثاء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل
دعوت بها أبناء ليل كأنهم ... وقد أبصروها معطشون قد انهلوا
يصف نارا وجلها شعثاء لتفرق لهبها.
وغبراء الفروع لدخانها والفروع: الأعالي.
ومنيفة: مرتفعة، يريد أنها على جبل أو في مكان عال.
وقوله: بها توصف الحسناء، أي بها تشبه الجارية، وذلك أن العرب تصف الجارية فتقول: كأنها شعلة نار أو كأنها بيضة أدحي.
وقوله: دعوت بها أبناء ليل، يعني النار دعا بضوئها أبناء الليل، أي قوما سرورا ليلا فجاورا عن القصد.
وقوله: كأنهم وقد أبصروا معطشون، يعني أنهم من فرحهم بهذه النار كأنهم قوم كانت عطشت إبلهم فأنهلوا، أي رويت إبلهم.
تم الجزء الأول من كتاب الأمالي ويليه الجزء الثاني وأوله وحدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي الخ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثاني
وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو حاتم، وعبد الرحمن، عن الأصمعي، قال: قدم متمم بن نويرة العراق فأقبل لا يرى قبرا إلا بكى عليه، فقيل له: يموت أخوك بالملا وتبكي أنت على قبر بالعراق! فقال:
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك
أمن أجل قبر بالملا أنت نائح ... على كل قبر أو على كل هالك
ويروي هذا البيت:
فقال أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوي والدكادك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك