خطبة بعض الأعراب في قومه وقد ولاه جعفر بن سليمان بعض مياههم
وحدثنا أبو بكر، رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: ولى جعفر بن سليمان أعرابيا بعض مياههم، فخطبهم يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم.
عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم، قبل أن تحرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خلقتم، إن الرجل إذا
هلك، قال الناس ما ترك، وقالت الملائكة ما قدم، فلله آباؤكم قدموا بعضا، يكن لكم قرضا، ولا تخلفوا كلا، يكن عليكم كلا، أقول قول هذا وأستغفر الله لي ولكم
وحدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، قال: قلت لأعرابي: ما تقول في المرء؟ قال: ما عسى أن أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة، أقل ما فيه أن يكون دربه للمغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة
وحدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن خضر، عن حماد بن إسحاق الوصلي، قال: سمعت أبي، يقول: قال رجل من العجم لملك كان في دهره: أوصيك بأربع خلال ترضي بهن ربك، وتصلح بهن رعيتك، لا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحني وعرا، ولا تعدن عدة ليس في يديك وفاؤها.
واعلم أن لله نقمات فكن على حذر.
واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب
وقرأنا على أبي بكر بن دريد قول الشاعر:
وعازب قد علا التهويل جنبته ... لا تنفع النعل في رقراقه الحافي
باكرته قبل أن تلغى عصافره ... مستخفيا صاحي وغيره الخافي
عازب: بعيد لا يأتيه أحد.
والتهاويل: الألوان المختلفة من الحمرة والشقرة والصفرة.
والجنبة: ضرب من النبات.
وقوله: لا تنفع النعل، يقول: لا تنفعه النعل من كثرة نداه.
ورقراقه: ما ترقرق منه.
وتلغى: تصيح.
وحدثنا أبو بكر بن أبي الأزهر، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: كان هارون الرشيد كثيرا ما يستنشد أبي لعبد الله بن مصعب:
وإني وإن أقصرت عن غير بغضة ... لراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى ... فآبي وتثنيني عليك الحفائظ
وأنتظر الإقبال بالود منكم ... وأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وأنتظر العتبى وأغضي على القذى ... ألاين طورا مرة وأغالظ
وجربت ما يسلى المحب عن الصبا ... فأقصرت والتجريب للمرء واعظ
وأنشدني أبو يعقوب وراق أبي بكر بن دريد، قال: أنشدني أحمد بن عبيد الجوهري، قال: أنشدت لمخلد الموصلي:
أقول لنضو أنفد السير نيها ... فلم يبق منها غير عظم مجلد
خذي بي ابتلاك الله بالشوق والهوى ... وشاقك تحنان الحمام المغرد
فمرت حذارا خوف دعوة عاشق ... تشق بي الظلماء في كل فدفد
فلما ونت في السير ثنيت دعوتي ... فكانت لها سوطا إلى صخوة الغد