الباب الثالث
حروف السؤال
الفصل السادس والعشرون
أنواع المخاطبات
(159) وكل مخاطبة وكل قول يخاطب به الإنسان غيره فهو إما يقتضي به شيئا ما وإما يعطيه به شيئا ما. والذي يعطي به الإنسان غيره شيئا ما فهو قول جازم إما إيجاب وإما سلب، حملي أو شرطي، ومنه التعجب، ومنه التمني، ومنه سائر الأقاويل التي تأليفها أو شكلها يدل على انفعال آخر مقرون به، إن كان في لسان من الألسنة تأليف أو بنية لقول يدل به على انفعال مقرون به. وقوم من الناس يمارون في التعجب والتمني. فبعضهم يجعلها نوعا آخر من الأقاويل سوى الجازم، وبعضهم يجعلها من الجازم ويجعل ما قرن به وما يخبر به في تأليفه أو في شكله جهة من الجهات. والقول الذي يقتضى به شيء ما فهو يقتضى به إما قول ما وإما فعل شيء ما. والذي يقتضى به فعل شيء ما فمنه نداء، ومنه تضرع، وطلبة، وإذن، ومنع، ومنه حث، وكف، وأمر، ونهي.
(160) فإن النداء يقتضى به أولا من الذي نودي الإقبال بسمعه وذهنه على الذي ناداه منتظرا لما يخاطبه به بعد النداء. وهو نفسه لفظة مفردة قرن بها حرف النداء. وإنما يكون حرفا من الحروف المصوتة التي يمكن أن يمد الصوت بها إذا احتيج به إلى ذلك لبعد المنادى أو لثقل في سمعه أو لشغل نفسه بما يذهله عن المنادي. فقوته قوة قول تام يقتضى به من الذي نودي الإصغاء بسمعه وذهنه، ثم الإقبال وجهة الذي ناداه الذي هو في المشهور دليل على الإصغاء التام. والنداء يتقدم بالزمان كل ما سواه من أنواع المخاطبة. PageV01P048
(161) ثم يرد بعده النوع الذي هو مقصود الإنسان من المخاطبات من اقتضاء أو إعطاء. والقول الذي يعطى به شيء ما قد يبتدئبه الإنسان ابتداء من غير أن يكون قد اقتضاه ذلك آخر، وقد يكون يقتضى عن اقتضاء لهسبق. فالذي يكون عن اقتضاء له سابق هو جواب. والمقول المقتضى بين أنه إنما يكون من الإنسان الذي اقتضاه بنطق ما، والنطق بالقول هو فعل ما، واقتضاء النطق إنما يكون بأحد تلك الأقاويل الأخر التي تقتضي فعلا. والقول غير النطق به. فإن القول مركب من ألفاظ، والنطق والتكلم هو استعماله تلك الألفاظ والأقاويل وإظهارها باللسان والتصويت بها ملتمسا الدلالة بها على ما في ضميره. فالنطق فعل ما، واقتضاء النطق هو اقتضاء فعل ما، وهو داخل تحت أحد تلك الأخر. فاقتضاء النطق بالقول غير اقتضاء القول، وإن كان يلزم كل واحد منهما عن الآخر، فاقتضاء القول هو السؤال، واقتضاء النطق هو شيء آخر، غير أنه قوته في كثير من الأوقات قوة سؤال عن الشيء. ولذلك صار قولنا " تكلم يا وزان بكذا وكذا " و" أعلمني وأخبرني عن كذا وكذا " قوته قوة السؤال عن الشيء. وكل مخاطبة يقتضى بها شيء ما فلها جواب. فجواب النداء إقبال أو إعراض، وجواب التضرع والطلبة بذل أو منع، وجواب الأمر والنهي وما شاكله طاعة أو معصية، وجواب السؤال عن الشيء إيجاب أو سلب - وهما جميعا قول جازم. والمخاطبة التي يعطى بها الإنسان شيئا المبتدأ بها لا عن اقتضاء لها هو أيضا قول جازم.
( 162) والمخاطبة العلمية يقتضى بها علم شيء أو يفاد بها علم شيء ما. وهي بضربين من الأقاويل، إما السؤال عن الشيء، وإما القول الجازم وإما جواب عن السؤال وإما ابتداء. والعلم الذي يقتضى أن يقال إما أن يعتقد شيء ما ويتصور ويقام معناه في النفس، وإما أن يعتقد وجوده، أو وجوده وسبب وجوده. وليس ههنا علم آخر غير هذه الثلاثة.