والمقصود من كل ما طلب معرفته هو معرفة ما قصد بالطلب. فمتى طلب معرفة مقدار الشيء فغاية الطلب هي الوقوف على مقداره. وكذلك المطلوب زمانه فإن غاية الطلب هي الوقوف على زمان الشيء. وكذلك ما طلب معرفة مكانه، فغاية الطلب هي الوقوف على مكانه. وكل مسألة طلب بها معرفة شيء من عند إنسان فأنها توجب على المسؤول أن يجيب بأمر يفيد به السائل معرفة الشيء الذي هو مقصوده بمسألته. فمتى كانت المسألة عن مقدار الشيء أوجبت على المسؤول أن يجيب بأمر يفيد به السائل معرفة مقدار الأمر الذي طلبه بالمسألة. وكذلك متى كانت المسألة عن مكان الشيء، فإنها توجب على المسؤول أن يجيب بأمر يفيد به السائل معرفة مكانه. وكذلك متى كانت المسألة عن زمان الشيء.
والأمر الذي يستعمله المجيب في إفادة السائل مطلوبه يسمى باسم الحروف التي يستعملها السائل في الطلب أو باسم مشتق من اسم الحروف التي يستعملها السائل. والأمر الذي يستعمله المجيب في إفادة مقدار الشيء يسمى كمية، وهي مشتق من الحرف الذي يستعمله السائل عن مقدار الشيء. والذي يستعمله المجيب في إفادة زمان الشيء يسمى متى، وهو اسم ليس مشتقا من الحرف المستعمل في الطلب، لكن نقل إليه الحرف بعينه فسمي به. والأمر الذي يستعمله المجيب في إفادة مكان الشيء فإنه يسمى أين، وهو مسمى باسم الحرف الذي يستعمله السائل على جهة النقل لا على جهة الاشتقاق.
ومنها ما إذا قرن بالشيء دل على أنه مطلوب معرفة وجوده لا معرفة مقداره ولا زمانه ولا مكانه، مثل قولنا هل. فإنه متى قلنا هل الشيء فإنما نطلب معرفة وجوده فقط. وهذا الحرف يقرن أكثر ذلك باللفظ المركب، مثل قولنا هل زيد منطلق وهل عمرو راحل وهل سقراط في الدار. وقد يقرن أحيانا بالاسم فقط. وليس يقرن به وحده أو يضمر معه شيء آخر سوى ما يدل عليه ذلك الإسم فقط. فإننا متى قلنا هل زيد، ولم يضمر معه موجود أو في الدار أو منطلق أو ما أشبه ذلك، كان القول باطلا. فإذن إنما يقرن هذا الحرف أبدا يلفظ مركب قد أطهرت أجزاؤه بأسرها أو بمركب قد اضمر بعض أجزائه. فإن إنما يقرن بالمركب أبدا. PageV01P002
ومنها ما إذا قرن بالشيء دل على أن المطلوب من الشيء تصور ذات الشيء فقط، لا معرفة وجوده ولا معرفة شيء آخر سوى ذاته، لا مقداره ولا زمانه ولا مكانه. وذلك مثل قولنا ما وما هو. فإنا متى قلنا ما الشيء أو ما هو الشيء، فإنما نطلب بهذا الحرف تصور معرفة ذات الشيء لا غير. والدليل على أن هذا الحرف ليس يدل على أن الشيء مطلوب وجوده أنه لو قرنا قولنا موجود بقولنا ما الشيء لصار القول غير مفهوم، بمنزلة قولنا ما هو الشيء موجود. فإن هذا القول باطل متى استملنا قولنا ما هو حرف طلبه. فإن هذا الحرف ربما استعمل مكان قولنا ليس، فحينئذ يكون قولنا ما الشيء موجود مفهوم المعنى. ومتى استعمل حرف طلب كان باطلا. ونحن فلم نأخذه في هذا المكان دالا على ما دل عليه قولنا ليس، لكن إنما أخذناه حرف طلب. ومتى أخذ حرف طلب فقيل ما هو الشيء موجود، كان القول باطلا. ومسألتنا ما هو الشيء إذا طلب منها معرفة ذات الشيء فإنما يصلح أن يكون بعد المعرفة بوجود الشيء. والدليل على ذلك أنا لو قلنا فيما لا نراه ولا نعلم وجوده ما ذاك الشيء، وما هو الشيء، لكان القول باطلا. وقد يطلب به فهم معنى الإسم، وذلك قد لا يمتنع أن يكون قبل المعرفة بوجود الشيء. وكذلك طلب مقدار الشيء وزمانه ومكانه إنما يكون بعد المعرفة بوجود الشيء. فإنا إذا قلنا أين فلان ونحن لا ندري هل هو موجود في العالم أم لا، كان القول باطلا. وكذلك إذا قلنا متى جاء فلان ونحن لا نعلم هل جاء أم لا، كان القول باطلا.