بسم الله الرحمن الرحيم
، وبه الثقة
قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي:
(1) الحمد لله الواحد المجيد، القوي الشديد، المبدئ المعيد؛ ذي العزة والسلطان، والرحمة والامتنان؛ الذي تواضع كل شيء لعظمته، واستسلم الخلق لقدرته؛ أحمده على النعماء، وأشكره على الشدة والرخاء؛ مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم؛ وصلى الله على محمد عبده المرسل بالحجة والبرهان، والنور والفرقان؛ داعيا إلى الحق وشاهدا على الخلق، وعلى آل محمد وسلم تسليما.
(2) فلم يزل صلى الله عليه يصدع بما أمر به ويجاهد في سبيله محتسبا صابرا، يحض على الطاعة والعلم كما حدثنا أبو سعد محمد بن يحيى، يعرف بالرهاوي، قال: حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان، قال: حدثني، أبي، عن أبيه، قال: حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال لي: ما أقدمك؟ قلت: التماس العلم؛ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع)) وذكر الحديث.
(3) قال أبو جعفر: ومن العلم صناعة الكتاب، وقد وهم من زعم أن أحكام الكتابة مباينة لأحكام الشريعة، لأن ذلك مخالف لما يوجبه الدين والعقل، لأن الكتابة فرع من فروع الشريعة، والشريعة أصل، والكتابة سياسة للملك، والملك لا قوام له إلا بالدين، فقد تبين أن الكتابة فرع من فروع الدين، وما كان فرعا لشيء لم يباينه، وأحكام الكتابة ملائمة لأحكام الشريعة. والدليل على ذلك أن مسلما لو أحيا أرضا مواتا كان حكم الفقيه والكاتب فيها سواء؛ وكذلك في ما يخرج من الزكاة من العشر ونصف العشر، وكذا حكم الصدقات من الإبل والبقرة والغنم، وكذا الحكم في الركاز والفيء والغنائم. وقد ألزم بعض الناس الكاتب أشياء يعجز عنها، وترك أشياء يحتاج إليها، وإنما أدوات الكتابة: الخط، والبلاغة، والعلم بترتيب أعمال الدواوين، والخبرة بمجاري الأعمال، والدربة بوجوه استخراج الأموال مما يحل ويسع. فهذه الآلات ليس لواحد منها حيز بذاته ولا انفراد باسمه يخصه، وإنما هو جزء من الكتابة وداخل في أركانها.
(4) فأما الفقه والفرائض وصناعة الحساب والعلم بالنحو، فكل واحد منها منفرد على حدته وإن كان الكاتب محتاجا إلى أشياء منها، نحو ما يكتب بالألف والياء وإلى شيء من المقصور والمدود.
(5) ولو كلف الكاتب ما ذكره من ذكره لجعل الأصعب طريقا إلى الأسهل، والأشق مفتاحا للأهون؛ وفي طباع الناس النفار عن ما ألزمهم من جميع هذه الأشياء. على أن بعض الناس قد ترك كل ما قال وأغفل كل ما يحتاج إليه، وجهل ما يجب عليه، حتى صار يعيب العلم وأهله، ويستصغر الأدب وأصله، وهذا كما حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: من أمل رجلا هابه، ومن جهل شيئا عابه.
(6) قال أبو جعفر: وهو في هذا الفعل مخالف لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللصحابة رضي الله عنهم وللتابعين رحمهم الله والحكماء.
قال الله جل وعز: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ، وقال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ، وقال جل ذكره: {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} ، وقال عز وجل: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} .