بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قد فرغنا ولله الحمد من ذكر أخبار القاهرة والأحداث في أيامه إن شاء الله.
ولما خلع القاهرة في يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة أخرج الحجرية والساجية محمد بن المقتدر بالله ويكنى أبا العباس وأمه أم ولد يقال لها ظلوم في هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار وكان في الخلافة هو وأخوه هارون على سبيل توكيل بهما من القاهرة فأجلسوه على السرير، وبايعوه بالخلافة مختارين له مجتمعين عليه، من غير أن يواطئهم على ذلك ولا كانت بيعتهم مراسلة فيه إلا ما كان يعلمه من كراهيتهم لأمر القاهر وأنهم في وحيه عليه.
وتولى التدبير في ذلك رجل من الساجية، يعرف بسيما المناخلي إلى أن تم، فأجلس محمد بن المقتدر على السرير، وجلس القاهر بالله في بيت بقربهم وأمر الراضي بالتوكل به والاحتياط عليه، ولم يعش المناخلي بعد هذا إلا أقل من مائة يوم.
وكنت في هذا اليوم قد أخذت دواء لحاجة إليه، وشيء وجدته،
وعلم بذلك الأمير أبو العباس قبل أن يتسمى بالراضي بالله، فجاءني رسوله يأمرني أن أوجه إليه بالأسماء التي ينعت بها الخلفاء، وتكون أوصافا لهم، وإني لأعجب من إطباق الناس على تسميتها ألقابا فيقولون لقب بكذا وهذا عندي خطأ، كبير، زلل عظيم، لأن الألقاب مكروهة ومنهي عنها في كتاب الله جل وعلا، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه جل وعز " ولا تنابزوا بالألقاب " فوجهت إليه برقعة فيها ثلاثون اسما، ليختار منها ما يريد، وأشرت عليه في رقعتي أن يختار منها المرتضى بالله، ولم أشك في اختياره له، وابتدأت من وقتي فعملت أبياتا ضادية قافيتها المرتضى، على أني أنشده إياها وهي:
أثبت الرحمن بالسعد المضي ... دولة قائمة لا تنقضي
لأبي العباس عفوا ساقها قدر الله الإمام المرتضي
دولة يأملها كل الورى ... مالها إن ذكرت من مبغض
كان وجه الملك مسودا فقد ... قابل اللحظ بوجه أبيض
يا أمين الله يا من جوده ... إن كبا دهري بحظي منهضي
غلب الوجد وفقدان الرضي ... وكلا جسمي بهم ممرض
كان حظي بك نحوي مقبلا ... فانثنى عنه بوجه معرض
أقرض الدهر شبابي شيبة ... لم أكن أطلبها من مقرض
ليس للشهب إذا ما جارت ال ... دهم في سبق الهوى من رائض
أسفت نفسي على قربي الذي ... كان من يوم احتفالي مغرضي
لك عبد مسه بعدك ما ... وكل الجسم بداء محرض
قضي البعد عليه كارها ... لا يرد الناس أمرا قد قضي
كل يوم ينتضي سيف أذى ... بالتكاذيب عليكم منتضي
ما يبالي إذ رأى فيك ألمي ... غضب الدهر عليه أم رضي
وهذه الأبيات لم تهن بها المدة، ولا راضها الفكر. وإنما قيلت مقتضية فليست بالمختارة، وإن صفرت من العيب. ولولا الحاجة دعت إلى ذكرها ما ذكرتها، وسيمر بعون الله من جيد الشعر في أوقاته ما يعفى عليها إن شاء الله.
فلما فرغت منها جاءني رسوله برقعته منه يقول فيها: قد كنت عرفتني أن إبراهيم بن المهدي لما بويع أيام الفتنة بالخلافة
أراد أن يكون له ولي عهد فأحضروا منصور بن المهدي وسموه المرتضى، وما أحب أن أتسمى باسم قد وقع لغيري، ولم يتم له أمره، وقد اخترت الراضي بالله، فكنت أشكر الله على ما وفقه له ووهبه فيه فمضى اسمه على ذلك، وما زال الناس يبايعونه بقية يومهم.