(46) فدل كلامه هذا أنه لم يجعل العامل بالجور معزولا حتى يعزل.
ولو كان عنده بالجور معزولا لقال وقد يدعون عزل عامل يذكرون جوره ولم يقل يسألون عزله. وكل ذلك متفق منه عند الشافعي والكوفي. إلا إذا ارتد القاضي, ثم رجع إلى الإسلام. فقاله الكوفي نصا, هو على قضائه.
وقال أصحابنا يجدد له القضاء على مذهب الشافعي تخريجا. ولو ولي القضاء وبه إحدى هذه العلل التي وصفناها ثم صلح بعد العهد حاله لم يجز حتى يجدد له القضاء قلته تخرجيا على مذاهبهما. PageV01P106
[4]
باب: أرزاق القاضي وأعوانه ورسومه
وتقبله القضاء بمال
(47) قال الشافعي: ولو أن القاضي وكاتبه والقاسم وصاحب الديوان, وصاحب بيت المال. لم يأخذوا جعلا. وعملوا محتسبين. كان أحب إلي. فإن أخذوا جعلا لم يحرم عندي. يعني في بيت المال.
وأولاهم يترك الجعل المؤذنون. وقال مالك والأوازاعي. وابن أبي ليلى, والثوري, وأبو حنيفة: لا بأس أن يأخذ القاضي أجرا. وكره قوم. PageV01P107
(48) واحتجوا بحديث حدثنا محمد بن عثمان بن أبي سويد. حدثنا أبو حذيفة. حدثنا سفيان الثوري, عن أبي حصين. عن الهيثم. عن عمر, قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرا, ولا صاحب مغنمهم. ومعنى ذلك عندنا. والله أعلم على وجهين: أحدهما على وجه الاختيار. والآخر: أن يأخذ من غير بيت المسلمين. لما روي عن شريح. أن عمر كان يرزقه في كل شهر مائة درهم ومن حجة الشافعي PageV01P108
والكوفي, حديث. حدثنا بن المطين. حدثنا عبد الرحمن بن جبلة الباهلي. حدثنا عمر بن النعمان. عن حسين المعلم عن أبي بريدة عن أبيه. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما عامل استعملنا, وفرضنا له رزقا. فما أصاب بعد رزقه فهو غلول».
(49) وحجة أخرى: أن القاضي عامل من عمال المسلمين, وقد جعل الله للعاملين على الصدقات في كتابة سهما. وهذا كله إذا كان من مال الله من بيت مال المسلمين. فأما أن يجري له, على أهل عمله رزقا يجوز له قبوله. وكذلك لو أجراه رجل منهم. أو أجراه السلطان من مال نفسه. قلته على PageV01P109
مذهبهما تخريجا. وذلك أن الشافعي قال: في كتاب الصدقات ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله, فأخذ هديته وأثابه عليها حلت له. وإن لم يثبه عليها جعلها في الصدقات لا يحل له عندي غيره. وإن أعطاه رب المال فحرام أخذه. فأما إن يهدي إليه على طريق الهدايا, لا على طريق الرزق على عمله. فإن الشافعي قال في كتاب أدب القاضي: ولا يقبل من واحد من الخصمين هدية حتى تنفذ خصومتهما.
(50) وحكى محمد بن الحسن: في كتابه عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي للقاضي أن يقبل الهدية. فإن ذلك يوقع التهمة, ويطمع فيه الناس. PageV01P110
(51) حكى الخصاف عنه أنه كره له قبوله. وإن قبل لم تسقط عدالته. حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي, حدثنا داود بن رشيد. حدثنا إسماعيل بن عياش, عن يحيى بن سعيد. عن عروة بن الزبير. عن أبي حميد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وهدايا العمال غلول». PageV01P111
(52) حدثنا أبو يعلى: حدثنا أبو بحر عبد الواحد بن غياث, حدثنا حماد بن سلمة, عن هشام بن عروة. عن أبيه. عن أبي حميد الساعدي قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أقوام نوليهم أمورا مما ولانا الله, فيقول هذا لكم وهذا أهديت إلينا. ألا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه الهدية.