باب: الحبس
(460) اتفق الشافعي والكوفي وصاحباه أن من وجب عليه مال وأقر أنه موسر, أو قامت عليه بينة باليسار. فامتنع من الأداء, وكتم ماله, حيث لا يقدر القاضي عليه حبسه.
(461) واختلفوا إن قدر القاضي على ماله. فقال الشافعي: إذا امتنع من توفير الحق, حجر عليه القاضي, كلما قدر. وباع عليه من ماله, من دار وعقار, وغير ذلك. ويبدأ بالحيوان ولا يترك له إلا قدر قوته, وقوت عياله حتى يفرغ القاضي من قسمة المال بين غرمائه. وإن كانت ثيابه غوالي بيعت PageV02P418
عليه, واشتري. أقصد ما يلبس, وهو في مثل حاله حتى يوفر على الغريم, حقه, ولا يحبسه. ومنع غرماه, من ملازمته, ولا يغفل المسألة عنه, فإن شهدوا أنهم رأوا في يديه مالا. سألته. فإن قال مضاربة قبلت منه مع يمينه. وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: إلا أنهما قالا يحبس, ويبيع القاضي عليه ما قدر من ماله وعقار, فإذا فرغ من ذلك أطلقه من الحبس. وقال الكوفي: إن قدر القاضي على دنانير ودراهم له قسمه بين غرمائه, وإن لم يقدر إلا على العقار, والعروض. لم تبع عليه, وضيق عليه حتى يبيعه, وإن قدر على دنانيره, وحق الغرماء في الدراهم باع الدنانير بالدراهم.
وكذلك إن قدر على الدراهم, وعليه دنانير, باع, وإن لم يقم على يساره بينة. وادعى أنه معدم, وأنكر صاحب الحق عدمه. نظر في الحق, فإن كان من صداق, أو ضمان, أو جناية, أو إتلاف, أو بدل خلع. وجب للزوج على PageV02P419
المرأة. فقول جماعة من أصحابنا على مذهب الشافعي: إن القول قوله في العدم مع يمينه, وكذلك قاله الكوفي وصاحباه نصا عليه في الصداق والضمان. وقلت في الباقي على قول الكوفي تخريجا لأنه لم يصل إليه فيما ادعى عليه.
(462) قال: وسمعت أبا العباس بن سريج يقول على مذهب الشافعي كل حق وجب عليه في ذلك صداقا. كان, أو ضمانا, فلا يقبل قوله إلا بشاهدي عدل, ثم يحلف مع ذلك إلا العاقلة إذا ادعى العدم, فالقول قوله مع يمينه.
(463) واتفق الشافعي والكوفي فيما عدا ذلك من مال وجب عليه بشراء أو قرض, أو غير ذلك مما وصل إليه مال, إنه لا يقبل قوله, إلا ببينة.
(464) واختلفوا في نفس البينة, فقال الشافعي: لا أقبل دعواه القدم إلا بشاهدي عدل وأحلفه مع ذلك, فإن أقام ذلك قبل الحبس لم يحبس. وإن لم يكن له على ذلك بينة حلف المدعي: أنه موسر قادر على الوفاء, ثم PageV02P420
يحبس ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف عن ماله فمتى صح عند القاضي عسرته أطلقه من الحبس, وقال الكوفي وصاحباه: إذا ادعى العدم في ذلك حبس فيما بينه وبين شهرين, أو ثلاثة أشهر, ولا يسأل عن ماله دون ذلك, هذا رواية محمد بن الحسن. وقال الحسن بن زياد عن الكوفي: ما بينه وبين أربعة أشهر إلى ستة أشهر, ثم يسأل عنه من جيرانه, وأهل الخبرة به, فإن قالوا: لا مال له نعرفه ونعرف عسرته وضيق معاشه, فلته القاضي. فأخرجه من لحبس ويخلى بينه وبين خصمه إن أراد ملازمته في قول الكوفي وأبي يوسف, وإن أحضر المديون قبل الحبس شاهدين على عدمه.
قال الكوفي: لا يسمع منهما القاضي حتى يحبسه شهرين أو ثلاثة, وفي رواية الحسن بن زياد: حتى يحبسه أربعة أشهر أو ستة. وقال محمد بن الحسن: هذا إذا أشكل الأمر, فأم إذا لم يشكل الأمر سمعت من البينة, وسألت عن ماله عاجلا. PageV02P421