فمذهب الشافعي: أن القاضي بالخيار إن شاء سأله. قلته تخريجا وذاك أنه قال واجب أن لا يقبل الشهادة حتى يسأل من أين هو عليه. وإن لم يسأل كان هذا الموضع غنا. ورأيته جائزا.
وقال الكوفي: لا يسأل المدعي عن ذلك إلا أن يقر المدعى عليه بالمال. ويدعي أنه من وجه كذا. مثل أن يقول من ثمن سلعة, لم أقبضها, فيسأل المدعي حينئذ عن الوجه الذي يدعي المدعى عليه.
(144) وأجمعوا على أنه لو قال المدعى عليه له علي ألف دينار من ثمن ميتة أو دم أو خمر, أو خنزير أو نحو ذلك إنه يسأل المدعي عن ذلك.
فإن وافقه في ذلك بطلت الدعوى, وإن أنكر أن يكون ذلك من ثمن محرم. فقد اختلفوا في ذلك. فقال أبو حنيفة: القول قول المدعي مع يمينه بالله ما هو من ثمن هذا المحرم. فإذا حلف حكم له بالألف.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: القول قول المقر, مع يمينه, فإن حلف برئ من الألف. PageV01P186
وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما أن القول قول المدعي مع يمينه. والآخر: أن القول قول المقر مع يمينه. وهذا أشبه القولين عنده.
(145) وإن كانت الدعوى في شيء بعينه من عقار أو غيره فذكر المدعى عليه أن ذلك ليلس في يده, وأنه يمنعه بينة تقوم, أو رد يمين على المدعي بعد استحلاف المدعى عليه, ونكوله, ولا بأس أن يقول للمدعي اذهب إلى الموضع فمن منعك فرافعه إن أردت خصومته. وقد شرحت ذلك في باب دفع الدعوى والخصومة عن نفسه.
وقال أبو حنفة وأبو يوسف: لا يحلف المدعى عليه في ذلك. وقال محمد بن الحسن: يحلف المدعى عليه, وإن نكل ثبت أنه في يده, وصار خصما قال: وإذا أراد المدعي إقامة البينة فشهدت البينة بعد الاستشهاد سمعها القاضي.
(146) واختلفوا فيه إذا شهد بها قبل أن يسأل. فقال الشافعي: لا يكون له شهادة, لأنه شهد ولم يستشهد. وبه عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك. PageV01P187
حكاه عنه أبو عبد الرحمن الشافعي. فإن استعادها القاضي فأعادها قبلت. قلته تخريجا على مذهب الشافعي والكوفي, أن ذلك ليس بخرج. هذا فيما عدا السرقة, وقطع الطريق لتعلقه بحق الله. قلته تخريجا. وذلك أن الشافعي ذكر أن شاهدين لو شهدا عند القاضي على رجل بسرقة من حرز فلان. يوجب القطع. إنه يسمع الشهادة ويسأل فلانا فإن ادعاها. حكم بها.
وقال الكوفي: في ذلك كله الشهادة غير مقبولة.
وقال مالك: هي جائزة, وليس على القاضي أن يستعيده الشهادة ثانيا.
(147) وأجمعوا على أن القاضي يسمع الشهادة بعد الاستشهاد إذا كان بحضرة الخصم, أو وكيله على ما أثبته في باب الشهادات. PageV01P188
(148) واختلفوا في سماعها من غير محضر الخصم, ولا وكيله.
فقال الشافعي: واجب أن لا تقبل الشهادات إلا بمحضر من الخصم المشهود عليه, أو وكيله. وإن سمعها من غير محضره فلا بأس به, وينبغي إذا حضر أن يقرأ عليه ليعرف حجته فيها.
وقال الكوفي وأصحابه لا يجوز للقاضي أن يستمع لهما إلا بمحضر الخصم أو وكيله.
(149) واختلفوا في قبول الشهادة بعد يمين المدعى عليه. فأجازه الشافعي ومالك والكوفي. وأبى ذلك ابن أبي ليلى. ولو قال المدعي حلفه على أنه إذا حلف فقد برئ من حقي ثم رام بعد اليمين إقامة البينة قبلها. قاله الكوفي وأصحابه نصا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجا. على ما قال من الصلح على الإنكار, وأنه لا يبرئه لأنه حرم حلالا. بما يحرم به. وقلت حكم الشريعة عن وجهه.