وإن قال أبرأني من هذا المال فهو إقرار. قاله الكوفي نصا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجا. لأن الإبراء عن المال لا يكون إلا بعد ثباتة ألا ترى أن رجلا لو حلف لا يبرئ فلانا من المال فبرأه مما ليس عليه لم يكن ذلك إبراء. وقد خالف هذا بعض المتأخرين. وأستدل بقول الله عز وجل: {فبرأه الله مما قالوا} , وزعم أن الله برأه من أدره لم تكن. وهذه شبهة دخلت عليه. وإنما معناه والله أعلم. فبرأه الله مما كان من القول به حتى لم يقولوا بعد ذلك. ألا ترى إلى قوله عز وجل: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله} الآية, فكان الأذى بالقول لا بالأدرة. فبرأه الله مما أذاه من القول.
(139) قال: ولا خلاف بين الفريقين أعلمه أن لو قال المدعى عليه عندي المخرج من هذا المال, أو قال عندي المخلص من هذا المال, أو البراءة من هذا المال أو قال إني بريء من هذا المال, وأنا أقيم البينة على ذلك. فأسمعها لم يعذره القاضي بذلك حتى يبين وجه المخرج والبرأة مما يجوز أن يتوجه عليه الشهادة.
(140) اختلفوا, هل يجعل ذلك إقرارا؟ فمذهب الشافعي والكوفي أن ليس بإقرار. قلته تخريجا فيما عدا المخرج وقياس قول ابن أبي ليلى PageV01P183
أن ذلك إقرار لأنه قال: لو قال المدعى عليه عندي المخرج من هذه الدعوى. كان إقرارا ولو قال قد برئبت إليه من هذا المال. فمذهب الشافعي إن يسأل المدعى عليه. فإن قال قد قضيته كان إقرارا ويحلف المدعي بالله أنه ما اقتضاه. وإن قال قد برئت إليه بأن حلفت له. أو أقمت بينة على إقراره بالبرأة كان القول قوله مع يمينه.
وقال الكوفي: هذا إقرار بأنه قد قضاه, فإن صح القضاء, وإلا لزمه.
(141) وإن قال المدعى عليه حلفوا المدعي على ما ادعاه. واحكموا على بما يدعي. لم يحلف المدعي حتى تعرض اليمين أولا على المدعى عليه, وينكل. ثم يرد اليمين على المدعي. بعد النكول. قلته على مذهب الشافعي تخريجا. قال: أبو علي ذكر أبو العباس ه ذه المسألة في باب تفريغ مسائل النكول. ورد اليمين, من هذا الكتاب. وأجاب بخلاف هذا الجواب, وجعلا نكولا منه. قال: قلته تخريجا. لأنه إنما أجاز رد اليمين على المدعي. وهذا ليس برد يعرض وينكل.
وقال الكوفي نصا. PageV01P184
(142) وإن قال المدعى عليه لا يجوز لي أن أحلف. سأله القاضي عن ذلك. فإن قال لأني حلفت أني لا أحلف عند حاكم, أو نذرت. لم يعذره القاضي بذلك, ولم يجعله نكولا, وأخذه باليمين. فإن أبى أن يحلف فقد اختلفوا في ذلك.
فقال الشافعي ومالك يرد اليمين على المدعى. فإن حلف حكم له في كل ما أدعى من المال, والنكاح والطلاق والعتاق والقصاص, وغير ذلك. ولا يحكم بالنكول على أحد إلا في مسائل ذكرتها في باب النكول ورد اليمين.
وقال الكوفي يحكم عليه بالنكول إلا في مسألة واحدة وهي: القصاص في النفس إذا ادعى عليه قتل عمد. فأنكر فاستحلف وأبى. لم يحكم عليه بالنكول, ولكن يحبس حتى يحلف أو يقر. فأما القصاص دون النفس وسائر ما يحلف عليه إذا أبى حكم عليه بالنكول.
وقال أبو يوسف ومحمد: كل القصاص في النفس وما دونها لا يحكم فيها بالنكول.
(143) قال: وإن قال المدعى عليه للقاضي سل المدعي من أين له هذا المال علي. فإن ادعى من كذا. فلي عليه بينة. وإن ادعى من غيره حلفت له. PageV01P185