وقال مسلم بن خالد الزنجي: أجبره القاضي على أن يقر أو ينكر. فإن امتنع ضربه وحبسه وضيق عليه حبسه على حسب ما يراه حتى يختار أحد الأمرين.
(125) قال: فإن نطق المدعى عليه فأنكر. نظر القاضي فيما تنازعا, واستوعب جميع ما قالا. فإن كانت مشكلة اجتمعوا على أنه يشاور من حضره من الفقهاء.
(126) واختلفوا في جواز مشاورته لهم بحضرة الخصم. فقال الكوفي: لا يشاورهم بحضرة الخصوم حتى يعرف الخصمان ما يدور بين القاضي وأصحاب المشورة ما يعزم عليه رأيه فيما يريد أن يحكم به. وقال الشافعي: يشاور أهل العلم ويتحرى أن يجمع المختلفين. لأنه أشعر لتقضيه العلم, ولكشف بعضهم عن بعض. فيعيب بعضهم قول بعض حتى يتبين له أصح القولين.
(127) ولم يفصل بين من يشاورهم بحضرة الخصم وغير حضرته. PageV01P173
وأجمعوا أنه إذا شاور. يشاور عالما بالكتاب والسنة وأقاويل الأئمة فقيها عاقلا. يعرف مخارج القياس وموارده ويعرف لسان العرب أمينا لا يقصد إلا قصد الحق فيما يشاور فيه.
(128) واختلفوا في سبيل الأخذ منهم إذا أشاروا به عليه وهل يجوز له تقليدهم. فقال الشافعي: لا يقبل من أحد. وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له منحيث لم تختلف الراوية فيه أو بدلالة عليه أو أنه لا يحتمل وجها أظهر فيه. فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال: في كتاب القديم ويقلد الصحابي فإن اختلفوا وفيهم من الخلفاء الأربعة أحد فهو أحق. ولا يجوز أن يستحسن بغير قياس. ولو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين.
وقال مالك: نحو قوله القديم. وزاد فيه أو عمل أهل المدينة. فإنه أولى من التقليد.
وحكى محمد بن الحسن في كتاب أدب القاضي عن أبي حنيفة أنه قال: PageV01P174
ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله. فإن لم يجد فبما أتاه الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإن لم يجد فبما أتاه عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإن اختلفوا تخير من أقاويلهم أحسنها, واجتهد, وليس له أن يخالفهم جميعا شيئا من رأيه.
فإن لم يجد فبما جاء عنهم اجتهد فيه رأيه وقاسه بما جاءه عنهم. فإن أشكل عليه شاور رهطا من أهل الفقه. فإن اختلفوا نظر إلى أحسن أقاويلهم وأشبهها بالحق, وقال فيه, فإن التبس على القاضي القضاء استشار رجالا من أهل الفقه والصلاح. فأخذ بقولهم فأنفذه على الخصمين فهو حسن جاز.
وحكى الخصاف في كتاب أدب القاضي على مذهبهم إذا أشكل على القاضي فشاور فيه ففيها فهو في سعة أن يأخذ بقوله إذا لم يتبين للقاضي في ذلك رأي.
وإن تبين له فرأى خلاف رأي الفقه قضى برأي نفسه وإن كان الذي شاور أفقه منه.
(129) قال: وأجمعوا أنه إذا تبين للقاضي وجه الحكم فيما أشكل, أو لم تكن الدعوى مشكلة, وظهر وجوب البينة على المدعي, واليمين على من أنكر. أقبل القاضي على المدعي. فقال: قد أنكر ما أدعيت. فإن طلب [المدعى يمين] المدعى عليه فيما أنكر. فقد اختلف أهل العلم فيما يجب على القاضي فيه. PageV01P175
فقال مالك: يجب على القاضي أني نظر بينهما. فإن كان بينهما مخالطة, أو ملابسة أحلفه, وإلا فلا يمين عليه وكذلك لو ادعت المرأة على زوجها عنده أنه طلقها. وطلبت يمينه لم يستحلف إلا أن تأتي بشبهة.