(118) فإذا جلس الخصمان بين يديه أقبل عليهما بمجامع قلبه ولبه وفهمه, وعليه السكينة والوقار, وواساهما في الإقبال ولا يمازح الخصم ولا يضاحكه, ولا يشر إلى أحدهما دون صاحبه ولا يساره.
(119) وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري. أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فافهم إذا أدلي إليك. فإنه لا ينفع تكلمه. بحق لا نفاذ له وآسى بين الناس في وجهك, ومجلسك, وعدلك حتى PageV01P168
لا يطمع شريف في حيفك, ولا يأيس ضعيف من عدلك, وإياك والضجر والقلق في مجلس قد أوجب الله فيه الأجر وأحسن فيه الذخر. لا يمنعك قضاء قضيت بالأمس به. ثم راجعت فيه نفسك فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق. فإن مراجعة الحق أحق من التمادي في الباطل. حدثنا بذلك هارون بن يوسف بن زياد. حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني. حدثنا سفيان عن إدريس بن يزيد. عن سعيد بن أبي بردة. عن أبي موسى. عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري. فذكر ذلك كله.
(120) قال: ويكف كل واحد من الخصمين عن أذى صاحبه وإن بان له من أحد الخصمين لدد. نهاه. فإن عاد زبره ولا يحبسه ولا يضربه إلا PageV01P169
أن يكون في ذلك ما يستوجبه فإن استوجب ضربا فلا خلاف في أن له ضربه إن رأى ذلك صلاحا.
(121) واختلفوا في مقدار ما يعزر به من الضرب. فقال الشافعي: لا يبلغ تعزير الحر أربعين, ولا تعزير العبد عشرين. وقال مالك: يضربه على ما يراه حتى يذعن. وإن ضربه ألفا وأكثر. وقال أبو حنيفة: لا يزيد في التعزير عن تسعة وثلاثين. وقال أبو يوسف: لا يبلغ به ثمانين. وقال ابن أبي ليلى: لا يبلغ به مائة.
(122) قال: فإذا تقدم صاحب رقعة, وخصمه معه, أو كان له خصوم, فأرادوا أن يتقدموا معه لم يسمع القاضي إلا منه, ومن خصم واحد. فإذا فرغا أقامهما ودعا الذي جاء بعده. إلا أن يكون آخر من تقدم إليه PageV01P170
فيسمع من ساير خصومه معه.
قال: فإذا جلس الخصمان بين يديه. نظر القاضي إليهما كالمستنطق لهما.
ويقول العون للمدعي وهو صاحب الرقعة تكلم. وإن قال له القاضي, فلا بأس به. وكان شريح يقول: أيكما المدعى فليتكلم.
(123) قال: فيبتدئ المدعي. فإذا استوفى كلامه, وسكت نظر القاضي في الدعوى. فإن لم تكم صحيحه. قال له صحيح دعواك, ولا يلقن واحدا منهما حجته. فإن لم يصححها أمامه بعد ثالثة. وكان شريح لا يزيد على مرتين ويقول: كلمة آمرا كلمتين, فإن أبى فارفع.
(124) فإن صحح المدعي دعواه على ما أفسره في باب تصحيح الدعاوي سمعها. ثم أقبل على المدعى عليه. وقال: أجب المدعى عما ادعى قبلك. ولا يقبل من كلامه إلا ما هو جواب لدعوى خصمه. فإن أقر أخذه بحكم الإقرار على ما أفسره في باب الإقرار. فإن سكت ولم ينطق PageV01P171
وأبى أن يجيب بعد سماعه وعلم القاضي أنه غير ما وف, أو نطق فقال: لا أنكر. فقد اختلف أهل العلم في ذلك. فقال الشافعي: في كتاب اختلاف العراقيين. وإذا قال المدعى عليه للقاضي لا أقرر ولا أنكر قيل للمدعى: إن أردت أن يحلف عرضت عليه اليمين. فإن نكل. قلنا لك احلف على دعواك وخذه. فإن أبيت لم نعطك شيئا بنكوله, دون يمينك مع نكوله.
وقال الكوفي: إذا قال الخصم للقاضي لا أقر ولا أنكر أو سكت فلم ينطق لم أجبره على ذلك, ولكني أدعوا المدعي بشهوده. فإن لم يكن له شهود, وأراد المدعي يمينه عرض عليه اليمين ثلاثا. فإن نكل وأبى أن ينطق من غير عذر حكم عليه بعد الثالثة. وكان أبو يوسف إذا لد الخصم يقول له احلف مرارا ثلاثة فأعذر إليه. فإن لم يحلف حكم عليه. فإن أبى أن يحلف قضى عليه. PageV01P172