ومن أصحابنا من خرج على مذهب الشافعي. قولا آخر لما حكاء الربيع من امتناعه أن يبوح به, لفساد القضاة. وهو أن يقضي بعلم نفسه أو شاهد واحد لترتفع التهمة عن القاضي. هذا مذهب الأوزاعي. وحكم به شريح. حكاه يونس بن PageV01P148
أبي إسحاق عن أبيه. قال شهدت عند شريح بشهادة, وله بها علم. فأجاز شهادتي وحدي. في مثل هذا المعنى حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهادة خزيمة وعلم نفسه.
وقال الكوفي: لا يقضى بما علم به قبل أن يتولى القضاء. وما علم به بعد ما ولي به القضاء في غير المصر الذي هو قاضيه لم يقض به. وكذلك لو علم في بلد قضائه بعدما ولي القضاء, ثم عزل. ثم ولي ثانيا لم يحكم به عنده, فأما الذي علمه في بلدة من بلدان عمله بعدما تولى القضاء. فله أن يحكم به إلا في ثلاثة أشياء. حد الزنا, وقطع السرقة, وحد شرب الخمر والسكر. فأما حد القذف فإنه يقضي به. هذا قول أبي حنيفة خاصة. وقال أبو يوسف والحسن بن زياد. PageV01P149
ومحمد بن الحسن ما علمه القاضي بكل حال, قبل الولاية وبعده. وفي مجلس الحكم وغيره. وفي بلد قضائه. وغير ذلك يحكم به كله, ما خلا حد الزنا, وقطع السرقة وحد الخمر والسكر. فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة في الآمالي أنه قال لو أن رجلا سمع رجلا يطلق امرأته, ثم استقضي بعد ذلك. ثم خاصمت إليه المرأة أو الرجل. إنه يفوق بينه وبين وطئ المرأة ولا يفرق بينهما وكذلك الأمة يحال بينه وبين وطئها ولا يعتقها عليه. PageV01P150
[18]
باب: ذكر مجلس القاضي في المسجد وغيره
(102) قال: وأجمعوا أن القاضي حيث ما جلس للحكم في بلد قضائه من مسجد أو غيره. جاز حكمه. ولو جلس في موضع, خارج حد ولايته. فقضى كان كواحد من الرعية, وكذلك. لو سمع الدعوى, والبينة في موضع قضائه, وأبرم القضاء خارج ولايته, أو سمع الدعوى والبينة خارج موضع ولايته, وأبرم القضاء في مجلس ولايته لم يجز.
(103) واختلفوا فيه لو سمع الدعوى والبنية في مجلس قضائه وأحتاج إلى عدالة الشهود, فخرج لجنازة, أو حاجة إلى خارج بلد قضائه. فسأل عن عدالتهم فعدلوا. فرجع إلى مجلس قضائه فرام الحكم بها. فقياس قول مالك PageV01P151
أن ذلك غير جايز. لأنه لا يجيز القضاء بعلم نفسه. وكذلك قياس قول ابن أبي ليلى. لأنه لا يجوز له أن يقضي بما علم به في غير مجلس حكمه. وكذلك قياس قول الكوفي. لأنه لا يجيز له القضاء بعلم وقع له في غير مصر قضائه. وقياس قول الشافعي في ذلك على قولين: أصحهما أن قضاءه جائز. كما وصفنا في قضاء القاضي بعلم نفسه.
(104) واختلفوا في موضع الاختيار له. فقال الشافعي: وأحب للقاضي أن يقضي في موضع بارز للناس, لا يكون دونه حجاب, وأن يكون متوسطا للمصر. وأن يكون في غير مسجد لكثرة الغاشية, والمشاتمة بين الخصوم, وتنزيه المسجد, عن ذلك أولى, وربما أحضرت الحائض.
وروى ابن وهب عن مالك قال: أحب إلي أن يقعد في المسجد وقال الكوفي: ينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع. فإنه أشهر المجالس وأرفقه بالناس, وإن جلس في مجلس حبه أو بيته فلا بأس.
وحكى أسد بن عمر عن الكوفي أنه قال: غير المسجد أحب إلي. PageV01P152
(105) وأجمعوا هؤلاء أن الحدود لا تقام في المساجد. وقد روي فيه حديث. حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا عبد الله بن عامر. حدثنا علي بن هاشم. عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينا, عن طاووس, عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقام الحدود في المساجد».