فهذه ثلاثة أوجه: أولها، أنه فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء، وحذف (حركة) من الأول واجتزأ بذكر الثانية، والوجه الثاني، فرق (فيه) بين حرف الإعراب وحرف البناء، كالدال من زيد والثاء من (حيث) على التأويل الذي ذكرناه، والوجه الثالث، فرق فيه بين الاسم المعرب والاسم المبني، وكل هذه الوجوه إلى معنى واحد ترجع، لأن الذي قصده في هذا القول معنى تؤدي هذه الوجوه إليه.
مسألة [2]
ومن ذلك قوله في هذا الباب: (واعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان: الأولى /4/ منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب).
قال محمد بن يزيد: فزعم أن الألف والياء في الاثنين، والواو والياء في الجميع حروف PageV01P045
الإعراب، وهذا محال، لأنها لو كانت حروف الإعراب كان الإعراب لازما لها وهو غيرها، نحو دال زيد، لما كانت حرف الإعراب هي وما أشبهها، كان ما يعتورها من الضم والكسر والفتح هو الإعراب، وليست الألف في التثنية وما ذكرنا معها إعرابا، لأن الإعراب حركة في حرف إعراب، ولكنها دلائل على الإعراب، وهذا قول أبي الحسن الأخفش وأبي عثمان المازني، وكذلك تاء مسلمات [ ... ].
مسألة [3]
[ ... ] إلا بحرف جر، كما أن ذهبت أصله ألا يتعدى إلا بحرف، ويدل على ذلك أن مصدره مصدر ما لا يتعدى، وهو فعلو، تقول: دخل دخولا كما تقول: قعد قعودا، وجلس جلوسا، وذهب ذهوبا، ففعول مصدر ما لا يتعدى من الأفعال، ألا ترى أن سيبويه قال في باب بناء الأفعال التي هي أعمال تعداك إلى غيرك ومصادرها: إن فعولا إنما يكون لما لا يتعدى نحو: قعد قعودا، وجلس جلوسا، وثبت ثبوتا، وذهب ذهوبا، وقد قالوا: الذهاب PageV01P046
والثبات، قال: وأما قولهم: دخلته دخولا، وولجته ولوجا، فكان الأصل ولجت فيه ودخلت فيه، إلا أنهم حذفوا (في) كما قالوا: نبئت زيدا، يريدون عن زيد، فحذفوا (عن) ها هنا.
هذا معني قول سيبويه: إن ذهبت الشام مثل دخلت البيت، أراد به أن حرف الجر حذفت مع ذهبت كما أنه حذف مع دخلت، وليس بين واحد من الأمرين وغيره فرق في الأصل، إلا أن العرب ربما استعملت الحذف في بعض الأشياء أكثر من بعض، فيتوهم بذلك المتوهم أن ما استعمل فيه الحذف أكثر أصله التعدي، وليس الأمر كذلك، وإنما يكون كثرة الحذف على قدر كثرة الاستعمال، وربما استعمل الشيء محذوفا، ولم يتكلم بالأصل البتة، فأما ذهب ودخل فقد استعمل معهما الوجهان، أعني حذف حرف الجر وإثباته كقولهم: دخلت في الدار، [ودخلت الدار]، وذهبت إلى الشام، وذهبت الشام واستعمالهم /5/ حرف الجر في جميع المواضع مع فعلت وأنه غير ممتنع معها على حال يدل على أنه الأصل وأن الحذف فرع.
وأما قوله: إن كل ما كان مثل البيت فهو بيت، وليس كل ما كان مثل الشام فهو شام، فلا وجه له، لأن تعدي الفعل يأتي في النكرة والمعرفة سواء بكرف أو بغير حرف، تقول: دخلت مكة، ودخلت في مكة، ودخلت بيتا حسنا، ودخلت في بيت حسن، PageV01P047
وكذلك ما كان مثله.