كتاب الانتصار، أو كتاب نقض ابن ولاد على المبرد
في رده على سيبويه "في الكتاب"
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي: هذا كتاب نذكر فيه المسائل التي زعم أبو العباس محمد بن يزيد أن سيبويه غلط فيها، ونبينها، ونرد الشبه التي لحقت فيها، ولعل بعض من يقرأ كتابنا هذا ينكر ردنا على أبي العباس، وليس ردنا عليه بأشنع من رده على سيبويه، فإنه رد عليه برأي نفسه ورأي من دون سيبويه، ومع ردنا عليه فنحن معترفون بالانتفاع به لأنه نبه على وجوه السؤال ومواضع الشك، إلا أنه إذا تبين الحق كان أولى بنا وأعود بالنفع علينا، وبالله التوفيق.
مسألة [1]
قال محمد بن يزيد: من ذلك قوله في باب مجاري أواخر الكلم: قال سيبويه: (وإنما ذكرت ثمانية مجار لا فرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل- وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه- وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل.
قال محمد بن يزيد: هذا تمثيل رديء، وذلك أن الذي يدخله ضرب من هذه الأربعة هو الحرف، نحو الدال من زيد، والذي يبنى عليه الحرف هو الحركة، نحو الضمة التي يبنى عليها ثاء (حيث)، والفتحة التي يبنى عليها نون (أين)، فعدل حركة بحرف، وإنما كان ينبغي أن يعدل الحركة بالحركة والحرف بالحرف. PageV01P043
قال أحمد بن محمد: هذا الرد يحكى عن المازني، وقد رد أيضا مسألة أخرى في هذا الباب، إلا أنا نقتصر على المسائل التي جمعها محمد بن يزيد وألفها في كتابه، وأما الحكايات فنحن نذكرها في مواضع من تفاسير الكتاب.
أما قوله: عدل بين حركة وحرف، فهذا جائز في اللفظ من غير وجه، أحدها، يكون أراد لأفرق بين حركة ما يدخله ضرب من هذه الأربعة وبين ما يبنى عليه الحرف بناء، فحذف/3/ المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، واجتزأ بذلك لعلم المخاطب بما يعني، وهذا شائع، ومنه قول الله عز وجل: {إنه عمل غير صالح}، {وسئل القرية}، وما أشبه ذلك، وقولك: الفرق بين الحجاز وأهل الشرق كيت وكيت، تحذف أهل من أول الكلام، لأن المخاطب (قد) علم أنك مفرق بين الأهلين، وكذلك إذا قلت: الفرق بين الفرات وماء دجلة، وبين الفرات وطعم دجلة كذا وكذا، علم أنك مفرق بين الطعمين، ولا نعلم أحدا منع من إجازة ذلك ما لم يكن لبس في الحذف، فهذا على وجه المجاز.
ووجه آخر على غير هذا الطريق، وهو أن يكون سمى الحركة حرفا في قوله: (يبنى عليه الحرف)، يريد بالحرف الحركة كما قال النحويون: العربية على أربعة أحرف: على الرفع والنصب فجعلوا وجوه الإعراب حروفا، وكذلك: هو يقرأ بحرف فلان، فأما الحركة PageV01P044
فهي حرف على الحقيقة، لأن الضمة واو صغرى، كأنه قال: لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة يعني الدال من زيد، وبين ما يبنى عليه الحرف، يعني الثاء من (حيث)، فهي التي يبنى عليها الحرف، والحرف الضمة، هذا على حقيقة اللفظ لا على وجه المجاز، لأنه عدل بين حرف الإعراب وحرف البناء في اللفظ وفي المعنى، وفي التأويل الأول فرق بين الحركتين، وحذف أحدهما) من اللفظ.
ووجه آخر، [وهو] أن يكون فرق بين الاسم المعرب والاسم المبني، فكأنه قال: لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، يعني زيدا، وما أشبهه من الأسماء المتمكنة، وبين ما يبنى عليه الحرف، يعني (حيث) وما أشبهه من الأسماء المبنية كما في الثاء بنيت بضمتها على حيث.