(621) حدثنا علي بن الأعرابي , عن بعض مشايخه قال: كان عبيد الله بن رباح نديما ليزيد بن معاوية فسكر ذات ليلة وطرب , وبعث إلى زوجته أم خالد لتأتيه , وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه , فأبت , فأقسم عليها , فأتته في جواريها , فقال لها يزيد: أقسمت عليك لما قمت فسقيتني , فبكت وقالت: ألمثلي يقال هذا؟ فلما رأى يزيد بكاءها وكراهيتها لذلك أذن لها في الانصراف وقال في ذلك:
[البحر الطويل]
وما نحن يوم استعبرت أم خالد ... بمرضى ذوي داء ولا بصحاح
وقامت لسقي الشرب خمرا عيونهم ... مخضبة الأطرف ذات وشاح
لها عكن بيض كأن غصونها ... إذا شف عنها السابري قداح
(622) حدثنا أبو الفضل الربعي قال: كان المأمون يهوى جارية من جواريه يقال لها تنزيف , فبعث إليها ليلة من الليالي خادما يأمرها [ص: 310] بالمسير إليه , فصار الخادم إليها فأمرها بذلك , فقالت: لا والله لا أجيئه , فإن كانت الحاجة له فليصر إلي , فلما استبطأ المأمون الخادم أنشأ يقول:
[البحر الطويل]
لقيتك مشتاقا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
وناجيت من أهوى وكنت مقربا ... فياليت شعري عن دنوك ما أغنا
ورددت طرفا في محاسن وجهها ... ومتعت باستماع نغمتها أذنا
أرى أثرا في صحن خدك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من حسنها حسنا
قال الخادم: لا والله يا سيدي , إلا أنها قالت ما حكيت لك , فقال: إذا والله أقوم إليها
باب التجني والإدلال في القول والفعل
(623) حدثنا علي بن الأعرابي قال: حدثني علي بن عمروس قال: كان ليزيد بن عبد الملك جارية يقال لها حبابة , وكان لها عاشقا شديد الوجد بها , فقال لها يوما: " إنى قد وليت فلانا الخادم ما حوته يدي شهرا لأخلو أنا وأنت فلا يشغلنا أحد , فقالت: إن كنت أنت قد وليته فقد عزلته أنا. قال: فغضب لذلك وخرج من المجلس الذي كان فيه , فلما أضحى النهار فلم يرها ضاق صدره وقل صبره , فدعا بعض خدمه وقال: اذهب فانظر ما الذي تصنع حبابة , فمضى الخادم ثم رجع إليه فقال: رأيتها مؤتزرة بإزار خلوقي , مرتدية برداء أصفر زهي , تلعب بلعبها , فقال: اذهب فاحتل في أن تجيرها علي , فذهب الخادم فلاعبها ثم استلب لعبة من لعبها , وعدا بين يديها , فتبعته تعدو وراءه , فمرت على يزيد بن عبد الملك , فلما بصر بها قام إليها فاعتنقها وقال لها: فإني قد عزلته , فقالت: إن كنت قد عزلته فإني قد وليته قال: فولي الخادم وعزل وهو لا يدري. قال: ثم إنه خلا معها أياما وتشاغل عن النظر في أمور الناس , فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فعذله على ذلك , فأخذت العود فوضعته في حجرها ثم تغنت:
[البحر الطويل]
ألا لا تلمه اليوم أن يتلذذا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا
وما العيش إلا ما يلذ ويشتهى ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
(624) وأنشد محمد بن حمزة بن عبد الملك الزيات:
[البحر الطويل] [ص: 312] قررت على نفسي فأزمعت قتلها ... وأنت رخا للبال والنفس تذهب
كعصفورة في كف طفل يسومها ... ورود حياض الموت والطفل يلعب
فلا الطفل يدري ما يسوم بكفه ... وفي كفه العصفور قد يتضرب
وقال بعض الحكماء: إن من استعطاف المتجني مزية على الإنصاف
(625) وأنشدنى أبو سهل الرازي:
[البحر الطويل]
شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي