بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
أخبرنا الشيخ الثقة أبو الطاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الفرشي الخشوعي رحمه الله قراءة عليه، وأنا أسمع في يوم اثنين تاسع عشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن الفتح السلمي الفقيه قراءة عليه، وأنا أسمع، في شوال سنة تسع عشرة وخمسمئة، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن أبي الحديد السلمي، بقراءتي عليه، في ذي الحجة سنة ست وستين وأربعمئة، قال: أنبأ جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان السلمي، قراءة عليه، قال: أنبا أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي، قال:
حدثنا إبراهيم بن هانئ النيسابوري، قال: ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون.
حدثنا عبد الله بن محمد البلوي، قال: ثنا عمارة بن زيد، قال: حدثني أبو البختري وهب بن وهب، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى ابن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: حدثني سلمان الفارسي، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده في يوم مطير، ذي سحائب ورياح، ونحن ملتفون حوله، فسمعنا صوتا لا نرى شخصه، وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. فرد عليك السلام، وقال: ردوا على أخيكم السلام قال: فرددنا عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: أنا عرفطة، أظهر لنا "رحمك الله" في صورتك.
قال سلمان: فظهر لنا شيخ أزب أشعر، قد لبس وجهه شعر غليظ متكاثف قد واراه، وإذا عيناه مشقوقتان طولا، وله فم في صدره، فيه أنياب بادية طوال، وإذا له في موضع الأظفار من يديه مخالب كمخالب السباع، فلما رأيناه اقشعرت جلودنا، ودنونا من النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال الشيخ: يا نبي الله. أبعث معي من يدعوا جماعة قومي إلى الإسلام، وأنا أرده إليك سالما إن شاء الله.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم لأصحابه، أيكم يقوم فيبلغ الجن عني وله علي الجنة. فما قام أحد.
وقال الثانية والثالثة، فما قام أحد.
فقال علي كرم الله وجهه: أنا يا رسول الله.
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشيخ، فقال: وافني إلى الحرة، في هذه الليلة، أبعث معك رجلا، يفصل بحكمي، وينطق بلساني، ويبلغ الجن عني. قال سلمان: فغاب الشيخ، وأقمنا يومنا، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، وانصرف الناس من المسجد، قال: يا سلمان سر معي. فخرجت معه، وعلي بين يديه، حتى أتينا الحرة.
فإذا الشيخ على بعير كالشاة، وإذا بعير آخر على ارتفاع الفرس، فحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وحملني خلفه، وشد وسطي إلى وسطه بعمامة، وعصب عيني؛ وقال: يا سلمان لا تفتحن عينيك حتى تسمع عليا يؤذن، ولا يروعك ما تسمع، فإنك آمن إن شاء الله. ثم أوصى عليا بما أحب أن يوصيه، ثم
قال: سيروا، ولا قوة إلا بالله.
فثار البعير سائرا يدف كدفيف النعام، وعلي يتلو القرآن؛ فسرنا ليلتنا حتى إذا طلع الفجر أذن علي، وأناخ البعير، وقال: انزل يا سلمان. فحللت عيني ونزلت، فإذا أرض قوراء، لا ماء ولا شجر، ولا عود ولا حجر، فلما بأن الفجر أقام علي الصلاة وتقدم وصلى بنا أنا والشيخ. ولا أزال أسمع الحس حتى إذا سلم علي التفت، فإذا خلق عظيم، لا يسمعهم إلا الخطيب الصيت الجهير، فأقام علي يسبح ربه، حتى طلعت الشمس، ثم قام فيهم خطيبا، فخطبهم، فاعترضه منهم مردة، فأقبل علي عليهم، فقال: أبالحق تكذبون، وعن القرآن تصدفون، وبآيات الله تجحدون؟ ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: بالكلمة العظمى، والأسماء الحسنى، والعزائم الكبرى، والحي القيوم، محيي الموتى، ورب الأرض والسماء؛ يا حرسة الجن، ورصدة الشياطين، خدام الله الشرهباليين، ذوي الأرواح الطاهرة.