تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فإن الله عز وجل تكفل بحفظ كتابه الكريم فقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9].
وأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بسنة ماضية وهدى يقتدى به، وأمر المسلمين بالتمسك بسنته واتباع هديه فقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44]، وبين الله عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوي فقال جل شأنه: {وما ينطق عن الهوى 3 إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3، 4].
ومن القواعد الشرعية التي استقر عليها عمل المسلمين قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ وبناء عليها فإن الدراسة التفصيلية لأحوال الرواة وسبر مروياتهم واجب شرعي كفائي على الأمة؛ لأنها المدخل الصحيح لمعرفة الثقات من الضعفاء، والكشف عن علل الأحاديث، ومعرفة الصحيح من السقيم، والمحفوظ من المعلول؛ ومن هنا تأتي أهمية مقولة إمام العلل علي بن المديني ححح: «التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم» (1). اه.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «فلما لم نجد سبيلا إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة» (2). اه. PageV01P005
لذلك حرص العلماء في القرون الأولى على تدوين سير هؤلاء الرواة في مصنفات ضخمة، عرفوا فيها بأعيانهم، وموقف كل منهم من العدالة والضبط، ودونوا فيها ما شاهدوه من أحوالهم أو ما نقلوه عن أئمة العلم من الكلام في صفاتهم، وأصبح ما كتبوه في هذا الباب علما مستقلا سمي فيما بعد: «علم رجال الحديث» وهو العلم الذي يبحث فيه عن أحوال الراوي من حيث اتصافه بشرائط قبول الخبر أو عدمه.
وقد لقي هذا العلم عناية أئمة الحديث في القديم والحديث، فصنفوا فيه التآليف الكثيرة؛ فمصنفات خاصة بالجرح والتعديل، ومصنفات خاصة بالثقات، ومصنفات خاصة بالضعفاء، ومصنفات خاصة بالتواريخ، ومصنفات خاصة بالطبقات، ومصنفات في المتشابه من الأسماء، ومصنفات خاصة بالمتفق والمفترق، ومصنفات خاصة بالأنساب، إلى غير ذلك.
وتنقسم التصانيف في رواة الحديث إلى ثلاثة أقسام: ما أفرد في الثقات، وما أفرد في الضعفاء، وما جمع فيه الثقات والضعفاء.
ومع أهمية هذه المصنفات فالأمة ما زالت تفتقر إلى ديوان يستوعب مصنفات تراجم رواة السنة النبوية بطريقة تتلاءم مع أهميتها ومكانتها في خدمة السنة النبوية، ومع التطور العلمي التقني في هذا العصر.
وقد تنبهت دار التأصيل مركز البحوث وتقنية المعلومات منذ نشأتها عام 1407 ه - الموافق 1987م - لأهمية هذا الباب؛ فوضعت في خطتها ومحاور عملها الرئيسة الاهتمام برواة الأحاديث والآثار، ونتج عن ذلك ما يلي:
1 - إنشاء موسوعة إلكترونية شاملة للرواة وما ورد عنهم في مائة وخمسة وعشرين مرجعا من المراجع الأساسية للرواة، وقد تم الانتهاء منها -بفضل الله، وهي تحوي قرابة تسعين ألف علم على مدى تاريخ الرواية.