المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، يا رب العالمين.
قال أبو بكر محمد بن دريد: الحمد لله الأول في ديمومته، الآخر في أزليته، الواحد في ملكه، الفرد في سلطانه، العالي في دنوه، القريب في علوه، وصلى الله على محمد بشيري الرحمة ومصباح الهدى، والمنقذ من الضلالة والعمى.
هذا كتاب الفناه ليفزع إليه المجبر [المضطهد] على اليمين المكره عليها، فيعارض بما رسمناه ويضمر خلاف ما يظهره، ليسلم من عادية الظالم ويتخلص من جنف الغاشم، وسميناه كتاب "الملاحن" واشتققنا له هذا الاسم من العربية الصحيحة التي لا يشوبها الكدر ولا يستولي عليها التكلف، وما توفيقنا إلا بالله.
ومعنى قولنا الملاحن لأن اللحن عند العرب الفطنة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "لعل أحدكم ألحن بحجته" أي أفطن لها وأغوص عليها، وذلك أن أصل اللحن PageV01P921
أن تريد الشيء فتوري عنه بقول آخر، كقول الأسير في بكربن وايل حين سألهم رسولا إلى قومه فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه، فخافوا أن ينذر عليهم، فجيء بعبد أسود، فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إني لعاقل، قال: ما أراك عاقلا، [قال: بلى] قال ما هذا؟ وأشار بيده إلى الليل. قال: هذا الليل.
قال: أراك عاقلا. ثم ملأ كفه من الرمل. فقال: كم هذا؟ فقال: لا أدري وإنه لكثير. فقال: أيما أكثر النجوم أو النيران؟ فقال كل كثير. قال: أبلغ قومي التحية، وقل لهم: ليكرموا "فلانا". يعني أسير كان في أيديهم من بكر. فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبي، وقد شكت النساء، ومرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت لكم حيسا واسألوا "الحارث" عن خبري.
فلما أدى العبد إليهم الرسالة قالوا: قد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة PageV01P922
حمراء ولا جملا أصهب، ثم سرحوا العبد، ودعوا "الحرث" فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم.
أما قوله: أدبي العرفج، يريد أن الرجال قد اسلموا ولبسوا السلاح، وقوله: شكت النساء، أي اتخذت الشكا للسفر، وقوله: الناقة الحمراء. أي ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب، وقوله: أكلت معكم حيسا، يريد أخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه. فأخذ هذا المعنى أيضا رجل كان أسيرا في بني تميم فكتب إلى قومه شعرا:
(حلوا عن الناقة الحمراء ارحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا)
(إن الذئاب قد أحضرت برائنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا)
يريد أن الناس كلهم إذا أخصبوا أعداء لكم كبكر بن وايل.
وقيل لمعاوية إن عبد الله بن زياد يلحن في كلامه فقال: أو ليس بظريف؟ ابن أخي يتكلم بالفارسية. PageV01P923
فظن معاوية أن الكلام بالفارسية لحن إذا كان معدولا عن جهة العربية، وقال "الفزاري":
(وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا)
(منطق صائب ويلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كان لحنا)
يريد أنها تعرض حديثها فتزيله عن جهته، فجعل ذلك لحنا، فأما اللحن في العربية فهو راجع إلى هذا لأنك إذا قلت: ضرب عبد الله زيد، لم يدر أيهما الضارب ولا المضروب، فكأنك قد عدلته عن جهته، فإذا أعربت عن معناك فهم عنك فسمي لحنا لأنه يخرج على نحوين وتحته معنيان، وسمي الإعراب نحوا لأن أصل النحو قصدك الشيء، تقول: نحو كذا وكذا أي قصدتهن فالمتكلم بالإعراب ينحو الصواب أي يقصده.