كتاب الطب الروحاني
بسم الله الرحمن الرحيم
قال محمد بن زكريا الرازي: أكمل الله للأمير السعادة وأتم علية النعمة. جرى بحضرة الأمير - أطال الله بقاءه - ذكر مقالة عملتها في إصلاح الأخلاق سألنها بعض اخوتي بمدينة السلام أيام مقامي بها، فأمر سيدي الأمير - أيده الله - بإنشاء كتاب يحتوي على جمل هذا المعنى بغاية الاختصار والإيجاز وأن أسمه بالطب الروحاني، فيكون قرينا للكتاب المنصوري الذي غرضه في الطب الجسماني وعديلا له، لما قدر-أدام إليه من عموم النفع وشموله للنفس والجسد. فانتهيت إلى ذلك وقدمته على سائر شغلي، والله أسأل التوفيق لما يرضي سيدي الأمير ويقرب إليه ويدني منه.
وقد فصلت هذا الكتاب عشرين فصلا:
الأول في فضل العقل ومدحه
الثاني في قمع الهوى وردعه وجملة من رأي أفلاطون الحكيم
الثالث جملة قدمت قبل ذكر عوارض النفس الرديئة على انفرادها
الرابع في تعرف الرجل عيوب نفسة
الخامس في دفع العشق والألف وجملة من الكلام في اللذة
السادس في دفع العجب
السابع في دفع الحسد
الثامن في دفع المفرط الضار من الغضب PageV01P016
التاسع في اطراح الكذب
العاشر في اطراح البخل
الحادي عشر في دفع الفضل الضار من الفكر والهم
الثاني عشر في صرف الغم
الثالث عشر في دفع الشره
الرابع عشر في دفع الانهماك في الشراب
الخامس عشر في دفع الاستهتار بالجماع
السادس عشر في دفع الولع والعبث والمذهب
السابع عشر في مقدار الاكتساب والاقتناء والإنفاق
الثامن عشر في المجاهدة والمكادحة على طلب الرتب والمنازل الدنيائية والفرق بين ما يرى الهوى وبين ما يرى العقل
التاسع عشر في السيرة الفاضلة
العشرون في الخوف من الموت
الفصل الأول في فضل العقل ومدحه
أقول: إن البارئ عز اسمه إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه، وإنه أعظم نعم الله
عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجدها علينا. فبالعقل فضلنا على الحيوان غير الناطق حتى ملكناها وسسناها وذللناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعها علينا، وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا ويحسن ويطيب به عيشنا ونصل إلى بغيتنا ومرادنا. فأنا بالعقل أدركنا صناعة السفن واستعمالها حتى وصلنا بها إلى ما قطع وحال البحر دوننا ودونه، وبه نلنا الطب الذي فيه الكثير من مصالح أجسادنا وسائر الصناعات العائدة علينا النافعة لنا، وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا الخفية المستورة عنا، وبه عرفنا شكل الأرض والفلك وعظم الشمس والقمر وسائر الكواكب وأبعادها وحركتها، وبه وصلنا إلى معرفة البارئ عز وجل الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أصبنا. وبالجملة فإنه الشيء الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين، والذي به نتصور أفعالنا العقلية قبل ظهورها للحس فنراها كأن قد أحسسناها ثم نتمثل بأفعالنا الحسية صورها فتظهر مطابقة لما تمثلناه وتخيلناه منها. وإذا كان هذا مقداره ومحله وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحطه عن رتبته ولا ننزله عن درجته، ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه، ولا وهو الزمام مزموما، ولا وهو المتبوع تابعا، بل نرجع الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه، ولا نسلط عليه الهوى الذي هو آفته ومكدره