ولايه خراسان
واقام المهلب بعد انصرافه بالبصرة في منزله حتى وافاه عهده من عند عبد الملك على خراسان، فسار إليها فمكث عليها خمس سنين، ثم مات.
فجعل عبد الملك امر خراسان الى الحجاج، فاقر الحجاج عليها يزيد ابن المهلب.
وكان يزيد اجمل ولد المهلب جمالا واكملهم عقلا، وافضلهم رايا، واذربهم لسانا، وكان المهلب استخلفه عليها عند وفاته، فمكث عليها أعواما، ثم عزله الحجاج، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم، فافتتح كل ما وراء النهر، ولم يزل هناك الى ان هاج به اصحابه، فقتلوه. PageV01P280
وافضى الملك بعد ذلك الى الوليد بن عبد الملك، ثم الى سليمان بن عبد الملك، فولى سليمان على العراق خالد بن عبد الله القسرى، فولى خالد أخاه اسد بن عبد الله خراسان، فلم يزل بها حتى ظهر فيها دعاه الامام محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
العراق بعد موت يزيد
قالوا، ومات يزيد بن معاويه، وعبيد الله بن زياد بالبصرة، فكتب اليه الحارث بن عباد بن زياد بهذه الأبيات:
الا يا عبيد الله قد مات من به ... ملكت رقاب العالمين يزيد
اتثبت للقوم الذين وترتهم؟ ... وذاك من الرأي الزنيق بعيد [1]
وما لك غير الأزد جار فإنهم ... اجاروا اباك، والبلاد تميد
فتعجب عبيد الله من راى ابن أخيه، وكان ذا راى.
ثم ان عبيد الله دعا بمولى له يسمى مهران، وكان يعدل في الدهاء والأدب والعقل بوردان غلام عمرو بن العاص، وهو الذى ينسب اليه البراذين المهرانية، فقال يا مهران:
ان امير المؤمنين يزيد قد هلك، فما الرأي عندك؟
فقال مهران: ايها الأمير، ان الناس ان ملكوا انفسهم لم يولوا عليهم أحدا من ولد زياد، وانما ملكتم الناس بمعاويه، ثم بيزيد، وقد هلكا، وانك قد وترت الناس، ولست آمن ان يثبوا بك، والرأي لك ان تستجير هذا الحى من الأزد، فإنهم ان اجاروك منعوك، حتى يبلغوا بك مأمنك، والرأي ان تبعث الى الحارث بن قيس، فانه سيد القوم، وهو لك محب، ولك عنده يد، فتخبره بموت يزيد، وتسأله ان يجيرك. PageV01P281
فقال عبيد الله: اصبت الرأي يا مهران.
ثم بعث من ساعته الى الحارث بن قيس، فأتاه فاخبره بموت يزيد، واستشاره، فقال:
المستشار مؤتمن، فان اردت المقام منعناك معاشر الأزد، وان اردت الاستخفاء اشتملنا عليك حتى يسكن عنك الطلب، ويخفى على الناس موضعك، ثم نوجه معك من يبلغك مأمنك.
فقال عبيد الله: هذا اريد.
فقال له الحارث: فانا اقيم عندك، الى ان تمسى ويختلط الظلام، ثم انطلق بك الى الحى.
فأقام الحارث عند عبيد الله.
فلما امسى واختلط الظلام امر عبيد الله ان توقد السرج في منزله ليلته كلها، ليظن من يطلبه انه في منزله، ثم قام فلبس ثيابه، واعتم بعمامته وتلثم.
فقال له الحارث: التلثم بالنهار ذل، وبالليل ريبه، فاحسر عن وجهك، وسر خلفي، فان المقدم وقاية للمؤخر، فسار.
فقال للحارث: تخلل بنا فداك ابى وأمي الطرق، ولا تأخذ بنا طريقا واحدا، فانى لا آمن ان يطلب اثرى.
فقال الحارث: لا باس عليك، ان شاء الله، فاطمئن.
ثم سارا هويا.
فقال للحارث: اين نحن؟.
قال: في بنى مسلم.
قال: سلمنا ان شاء الله.
ثم سارا جميعا ساعه، فقال: اين نحن؟.
قال الحارث في بنى ناجيه.
قال: نجونا ان شاء الله.
ثم سارا حتى انتهيا الى الأزد، واقحم الحارث بعبيد الله دار مسعود بن عمرو،