المجلد الأول
مقدمات:
مقدمة المشرف على التحقيق:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، قدوتنا وإمامنا صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأعوانه.
أما بعد:
فإن الله تعالى تولى حفظ كتابه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ولم يكل ذلك إلى غيره، فهو محفوظ بحفط الله تعالى.
وحفظ الله تعالى للقرآن الكريم حفظ لهذا الدين، الذي أصله وأساسه الإيمان بالله وبربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله وإخلاص الدين له، وصرف العباد بجميع أنواعها لله، والإيمان باليوم الآخر والبعث بعد الموت، والحساب والجزاء والجنة والنار، والايمان بقدر الله خيره وشره.
ومن حفظ الله تعالى للقرآن الكريم حفظه للسنة المطهرة، فإن السنة
الوحي الثاني.. {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} حيث أمر الله تعالى في القرآن الكريم بالأخذ بالسنة، فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} .
فالله تعالى حفظ دينه بحفظ كتابه وسنة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، فهيأ الله الصحابة رضوان الله عليهم وقيضهم ووفقهم وهداهم لنصر دين الله، فحفظوا كتاب الله وسنة نبيه، وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ففتحوا البلدان، وكسروا ملك كسرى، وقصروا ملك قيصر، ثم نزحوا إلى البلاد المفتوحة، وانتقلوا إليها فعلموا الناس دين الله، ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ثم تبعهم على ذلك التابعون وأتباعهم، ومن بعدهم من الأئمة والعلماء، يحيون ما اندثر من الإسلام، ويجدون لهذه الأمة دينها، وينصرون الناس بالحق، ويردون البدع والشبه والضلالات، ويكشفون للناس زيفها وزيغها ولبسها الحق بالباطل.
كما قال الإمام أحمد -رحمه الله- في خطبة كتابه الرد على الجهمية والزنادقة: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على
الناس، وأقبح الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مقارنة الكتاب، يقول على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين" ا. ه.
ومن هؤلاء الأئمة والعلماء الأفذاذ الذين حفظ الله بهم العقيدة السلفية المستمدة من الكتاب والسنة الإمام الحافظ الناقد، وأحد الأعلام الثقات الأثبات: أبو سعيد عثمان بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني: من علماء القرن الثالث الهجري، قال عنه الذهبي: "كان لهجا بالسنة بصيرا بالمناظرة جذعا في أعين المبتدعة" ا. ه.