مقدمة
كتاب المحاسن والأضداد</span>
لم يرد ذكر لهذا المؤلف في كتب الجاحظ، لقد ذكر أبو عثمان أسماء نحو ستة وثلاثين من مؤلفاته في مقدمة «كتاب الحيوان» وليس بينها اشارة إليه قريبة أو بعيدة. كما ذكر في بعض رسائله اسماء عدد من كتبه الكثيرة واغفل هذا الكتاب اغفالا تاما.
وكذلك خلت المصادر القديمة من ذكره، عدا كتاب الخزانة للبغدادي. أما المصادر الحديثة فقد ذكرته، منها كتاب أدب الجاحظ للسندوبي وكتاب تاريخ الأدب العربي لبرو كلمان. وترجم أو. ريشر بعض فصوله إلى الالمانية ونشرها.
وقام فان فلوتن بإصدار الطبعة الأولى منه في ليدن سنة 1897 م.
وتبعه الخانجي فطبعه في القاهرة سنة 1906 م، مع مقدمة موجزة عن حياة الجاحظ، وبدون شرح. ثم توالت الطبعات التي لم تكن احسن من طبعة الخانجي، ومعظمها صدر في بيروت.
وجميع هذه الطبعات نسبت الكتاب للجاحظ ولم تبد شكها فيه.
ولكن المستشرق الفرنسي شارل بيلا لا حظ في القائمة التي وضعها لكتب الجاحظ أن الكتاب منحول ولم يذكر الأسباب التي استند إليها.
وربما كان الدافع الذي حفز هؤلاء الناشرين على نسبة الكتاب
للجاحظ مقدمته التي يعترف فيها أبو عثمان أنه كان ينحل غيره- أمثال ابن المقفع، والخليل بن أحمد، وسلم صاحب بيت الحكمة، والعتابي، ويحيى بن خالد، وأشباههم- بعض كتبه، لتروج. وأن بعض الكتاب في عصره كانوا يغيرون على كتبه ويسرقون بعض فصولها ومعانيها ويؤلفون منها كتبا ينسبونها لأنفسهم. ثم يعلن نسبة الكتاب إليه قائلا: «وهذا كتاب وسمته بالمحاسن والأضداد لم أسبق إلى نحلته ولم يسألني أحد صنعه، ابتدأته بذكر محاسن الكتابة والكتب، وختمته بذكر شيء من محاسن الموت. والله يكلأه من حاسد إذا حسد» .
والحق أن هذه المقدمة التي لا تتعدى صفحة واحدة إنما هي فقرة استلت من رسالة للجاحظ طويلة عنوانها «فصل ما بين العداوة والحسد» ووضعت في صدر هذا الكتاب لتخفي حقيقته. بيد أن ما جاء فيها بصدد النحل والسرقة يشكل برهانا على نحل الكتاب، او عدم صحة نسبته للجاحظ: إن قلق الناحل من انكشاف فعلته وخوفه من أن يرمى بالنحل دفعاه إلى الكلام على النحل وابعاد التهمة عن نفسه.
وإمعانا في تضليل القارىء أورد المؤلف بابين في أول الكتاب:
باب في محاسن الكتابة والكتب، وباب في مساوىء اللحن في اللغة.
وكلاهما من كلام الجاحظ. استقى الأول من كتاب الحيوان واستقى الثاني من كتاب البيان والتبيين مع بعض التصرف. أما سائر ابواب الكتاب التي تناهز الستين فإن عناوينها أو موضوعاتها طرقها الجاحظ في مختلف كتبه ولكن محتوياتها غير موجودة في تلك الكتب.
وقد فزع المؤلف إلى وسيلة أخرى للتمويه هي الجدل. والجدل يعني هنا قول الشيء وضده. وقد أولع الجاحظ بالجدل حتى غدا سمة من سمات كتاباته، فنهج المؤلف هذا النهج تقليدا للجاحظ. فهو يعدد محاسن الشيء ثم يردف ذلك بتعداد مساوئه: محاسن المخاطبات
وضدها، ومحاسن المكاتبات وضدها، ومحاسن الجوابات وضدها، ومحاسن حفظ اللسان وضدها، ومحاسن كتمان السر وضدها، ومحاسن الصدق وضدها، ومحاسن الصحة وضدها، ومحاسن السخاء وضدها ومحاسن البخل وضدها، ومحاسن الشجاعة وضدها، ومحاسن المفاخرة وضدها، ومحاسن الزهد وضدها، ومحاسن النساء وضدها الخ ...