وجارتي خباؤها مسدول ... طرفي عما دونها كليل
وسرحها آمنة تقيل ... بحيث لا ربع ولا طلول
هذا وإن فاجأ خنشليل ... بمعضل ما دونه مميل
ولا لأمر دونه سبيل ... ثرت كأني باسل صؤول
عفوس عذور نحليل ... وفي يميني صارم مصقول
يزيل ما شاء ولا يزول ... والنقع كاب والردى يجول
بالمعلمين والكما نصول
قال: فلما سمع جشم بن حبران بن نوف بن همدان هذا الشعر من ابنه حاشد جزاه خيرا، وأومأ إليه بالجلوس، فجلس، ثم قال لهما أبوهما جشم: أنتما همدان، وأنتما بيت الشرف من كهلان، لكما العديد الأكثر، وبكما تعز كهلان وحمير، قومكما الأعزون، وأولادكما الأكثرون الباقون. ثم أنشأ يقول:
لا الأزد إلا مازن لا ثم لا ... همدان إلا حاشد وبكيل
ولباب كندة للأشاوس في الذرى ... ولكل قوم ذروة وسليل
وكذاك حمير في عريب ملكها ... وبنو عريب للملوك أصول
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إنه كان كاهنا، وإنما تكلم بهذه الأبيات فيما انتهى إليه من نمو هؤلاء الذين ذكرهم.
وصية أدد بن مالك
وحدثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان وهو أبو مذحج أقبل على بنيه عند حضور الوفاة فقال: " من البسيط "
إن الذي عرف الدنيا وجربها ... من قبل أن تعرفوها ويحكم أدد
أفنى لياليه اللاتي سلفن ولم ... تسعفه من بعدها أيامه الجدد
بني إني حلبت الدهر أشطره ... فما عداني منه الشري والشهد
وقد صحبت رجالا كنت آملهم ... يخلدوا لي فما عاشوا وما خلدوا
بني إن مثل أمس اليوم سالمني ... فليس يؤمنني مما أخاف غد
بني لا تبدؤوا قوما بمظلمة ... وفي عداوة من عاداكم اجتهدوا
لا تحسدوا الناس ما أوتوا وما رزقوا ... من الثراء فحظ الحاسد الحسد
صونوا العشيرة وارعوا حق جاركم ... فالجار أقرب من تسدى إليه يد
شبوا لطارقكم نارا يدوم لها ... نور به يهتدي ذا الطارق القصد
فإن أكرم نار الحي ما ظهرت ... على الفجاج وباتت ليلها تقد
وصيتكم فاحفظوا عني الوصاة ولا ... تبغوا سواها ففي إسماعها الرشد
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن مذحج بن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان حفظ هذه الوصية، وثبت عليها، وعمل بها، وكذلك بنوه من بعده. وإلى اليوم تتبارى مذحج حيث كانت في استعمال ما وصاهم به أبوهم أدد بن مالك من الإيجاب للعشيرة، وإسداء الجميل إلى الجار، والحفظ والمراعاة له، وترك البدو بالظلم والعدوان، والاجتهاد في العداوة لمن عاداهم، والصبر على ما يبتلون به من الفتنة، والإكرام للضيف.
تقول العرب إذا رأت نارا عظيمة: ترى نارا كأنها لأحد مذحج. وفي ذلك يقول قائلها: " من الرمل "
تعظم النار إذا النار التي ... شبها عبس الندى أو صعصعة
لقدور كالربى راسية ... وجفان كالجوابي مترعة
تصدر العالة والأضياف في ... كل يوم وهي عنها مشبعة
أيها الساعي على آثارنا ... نحن من لست بساعي معه
نحن أود حين تصطك القنا ... والعوالي للعوالي مشرعة
ويقال: إن هذا الشعر لصلاءة بن عمرو المذحجي، وهو الذي يعرف بالأفوه الأودي. وتصديق قوله:
تعظم النار إذ النار التي ... شبها عبس الندى أو صعصعه
وقول القطامي:
ألا إنما نيران قيس إذا استوت ... لطارقهم ليلا كنار الحباحب
وما زالت العرب تنسب قيسا إلى مثل ما نسبها إليه قائل هذا البيت من خفوض نيرانهم وخبوها عند بدو نيران غيرها. وقد ذكر ذلك حسان بن ثابت الأنصاري حيث يقول: