وصية قحطان بن هود
وحدثنا علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن قحطان بن هود النبي صلى الله عليه وسلم وصى بنيه، فقال لهم: يا بني إنكم لم تجهلوا ما نزل بعاد دون غيرهم حين عتوا على ربهم وأعدوا آلهة يعبدونها من دونه وعصوا أمر ربهم، وأمر نبيهم هود وهو أبوكم الذي علمكم الهدى وعرفكم سواء السبيل. وما بكم من نعمة فمن الله عز وجل. وأوصيكم بذي الرحم خيرا. وإياكم والحسد فإنه داعية القطيعة فيما بينكم. وأخوكم يعرب أميني عليكم وخليفتي بينكم، فاسمعوا له، وأطيعوا، واحفظوا وصيتي، واثبتوا عليها، واعملوا بها ترشدوا.
ثم أنشأ يقول:
أبا يشجب أنت المرجى وأنت لي ... أمين على سري وجهري حافظ
عليك بدين ليس ينكر فضله ... فقد سبقت فيه إليك المواعظ
وواصل ذوي القربى وحطهم فإنهم ... ملاذك إن حامت عليك البواهظ
ولفظك عربه بأحسن منطق ... فإنك مرهون بما أنت لافظ
وكن كاتما للغيظ في كل بدوة ... إذا أسخطت تلك العيون الجواحظ
بغيض على الأعداء سرا وجهرة ... بحلمك ها تلك النفوس الغوائظ
وما ساد من قد شاد إلا بحلمه ... إذا لم يلاحظه من البخل لاحظ
فكن ذا حجى محض الشمائل ماجدا ... حفيا حميا إنني لك واعظ
وصية يعرب بن قحطان
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن يعرب بن قحطان حفظ وصية أبيه، وثبت عليها، وعمل بها. ويقال: إنه أول من تبحبح بالعربية الواسعة، ونطق بأفصحها، وأوجزها، وأبلغها. والعربية منسوبة إليه مشتقة من اسمه. وهو الذي ذكره حسان بن ثابت الأنصاري في شعره الذي يقول فيه:
تعلمتم من منطق الشيخ يعرب ... أبينا فصرتم معربين ذوي نفر
وكنتم قديما ما لكم غير عجمة ... كلام وكنتم كالبهائم في القفر
تقولون مانونخ ودونخ وكنتم ... إذا ما التقينا كالرصاص على الجمر
منازلكم كوثى ومنها درجتم ... إلينا كأفراخ درجن من الوكر
فنحن وأنتم كالذي قال لم أزل ... أعلمه رميا ليمنع لي ظهري
فلما نشا واشتد ساعده رمى ... فلم يخط ظهري إذ رمى لا ولا نحري
وفي ذلك يقول علقمة ذو جدن:
ومنا الذي لم يعرب الناس مثله ... وأعرب في نجد هناك وغارا
وحدثنا علي بن محمد عن جده الدعبل بن علي، أن يعرب بن قحطان وصى بنيه مما وصاه به أبوه، فقال لهم: يا بني احفظوا مني خصالا عشرا تكون كذا لكم ذكرا وذخرا. يا بني تعلموا العلم واعملوا به. واتركوا الحسد عنكم ولا تلتفتوا إليه، فإنه داعية القطيعة فيما بينكم، وتجنبوا الشر وأهله، فإن الشر لا يجلب عليكم خيرا. وأنصفوا الناس من أنفسكم لينصفوكم من أنفسهم. وإياكم والكبر؛ فإنه يبعد قلوب الرجال عنكم. وعليكم بالتواضع، فإنه يقربكم من الناس ويحببكم إليهم. واصفحوا عن المسيء إليكم، فإن الصفح عن المسيء يجنبكم العداء ويزيد مع السؤدد سؤددا ومع الفضل فضلا. وآثروا الجار الدخيل على أنفسكم، فإن جماله جمالكم. ولأن يسوء حال أحدكم خير له من أن يسوء حال جاره، لأن تفقد الناس للمقتدي أكثر من تفقدهم للمقتدى به. وانصروا مواليكم، فإن مواليكم في السلم والحرب منكم ولكم. وابن مولاكم من أنفسكم، وحقه عليكم مثل حق أحدكم على سائركم. وإذا استشاركم مستشير فأشيروا عليه بمثل ما تشيرون به على أنفسكم في مثل ما استشاركم فيه، فإنها أمانة ألقاها في أعناقكم، والأمانة ما قد علمتم. وتمسكوا باصطناع الرجال أجدر أن تسودوا به عليهم، وأحرى أن يزيدكم ذلك شرفا وفخرا إلى آخر الدهر. ثم أنشأ يقول: " من الوافر "