وتبع في الأرض سلطانه ... كالشمس في آفاقها تسطع
الملك المحمود في ملكه ... والماجد المهر الذي يمرع
قد ملك الناس فأحياهم ... ناهيك من تبع مستمتع
ذو الغارة السوداء تجري له ... أوارد العصم فلا تمنع
وخيله مرسلة في العدا ... زهوا رعالا تمرع
إتاوة الأرض ومن حلها ... طوعا إلى تبع تدفع
ما رفع التبع لم يوهه ... موه وما أوهاه لا يرفع
وصية تبع بن عمرو
وحدثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن التبع بن عمرو ذي الأذعار وصى ابنه حسان ملك يكرب، وهو الثاني من التبابعة، فقال له: يا بني، إن الملك صنعة والملك صانع، فإن قام الصانع حق قيامه على صنعته استجادها الناس له، واستحكم أمره فيها فكسب بها المال والجاه وكانت له عدة وذخيرة. وإن استهان بها ولم يقم حق قيامه عليها ذهبت الصنعة عن يده، وانقطعت منافعها عنه، واكتسب الذم لنفسه والحرمان، وكل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
وأنشأ يقول: " من البسيط "
ما زلت بعد أبي بالملك منفردا ... أسوسه بعد أسلافي وأجدادي
أحمي محاسنه جهدي وأكلؤه ... دهري وأحكمه بعدي لأولادي
وقد ضربت لك الأمثال فيه وقد ... عرفت في الملك إصداري وإيرادي
فاعمل بما لم أزل مذ كنت أعمله ... في الملك يرشدك يا حسان إرشادي
ويقال: إن حسان هو الأقرن. توفي بأرض المغرب، فولي الملك بعده إفريقيس. ويقال: إنه اسمه إفريقيش، كل ذلك قد قيل. ويقال إنه هو الذي بنى بالمغرب مدينة، يقال لها إفريقية، منسوبة إلى اسمه. وهو الثالث من التبابعة.
وحدثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن إفريقيس وصى أخاه أسعد أبا كرب، فقال له: قد علمت ما عهد إلي أبونا مما عهد إليه أبوه من وصايا الآباء والأجداد في سياسة هذا الملك الذي أوتينا من دون غيرنا، فعليك بالتمسك بما وجدتني عليه من بث العدل واصطناع الرجال ومكابدة العدو والصفح عند الاقتدار وسد الثغور وإتقاء الخلل.
وأنشأ يقول:
لم يرو عنك ذخيرة مما بها ... ملك البلاد أخوك إفريقيس
لا تعدلن وصية وصاكها ... إن الوصية مقصد مأنوس
كل امرئ وبلوغه في قومه ... الكل كل والرئيس رئيس
والناس كالأغصان غصن ناضر ... منها وذاو قد علاه البوس
أوصيك خيرا بالأنام فإنما ... لك ملكهم والمنصب القدموس
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن أسعد وهو الرابع من التبابعة ولي الملك بعد أخيه إقريقيس بن حسان بن تبع بن عمرو ذي الأذعار، فسار في الناس سيرة الأوائل من آبائه وأجداده، وملك من البلاد ما لم يملك أحد قبله، وأعطي من العدد والعدد ما لم يعط ملك، وهو الذي يقول: " من السريع "
يا أيها السائل عن خيلنا ... ما العالم المخبر كالجاهل
تسعون ألفا عددا بلقها ... ودهمها كالعارض الوابل
عن ملكنا الناس لم تعصنا ... في الأرض من حاف ومن ناعل
أدت لنا الخرج أحابيشها ... والسند والهند مع كابل
والصين قد أدت لنا خرجها ... في عاجل منها وفي آجل
وكم لنا في الشرق والغرب من ... مستخرج جاب ومن عامل
في أرض كرمان وفي فارس ... وفي خراسان وفي بابل
كلا فتحناها لنا عنوة ... تحفل مثل الدبى السائل
ويقال: إن أسعد الكامل مرض مرضة أشرف منها على التلف، وذلك عند انصرافه من سفره الذي سافر فيه حين دخل الظلمات، وكان له ولد يقال له حسان الأصغر، سماه باسم أبيه، ويقال: إنه لم يملك شيئا، وهو الذي ذكره أبوه أسعد الكامل في شعره، يوصيه فيه عند مرضته تلك، حيث يقول: