EDITOR|
مقدمة المصحح
بسم الله الرحمن الرحيم منذ خمسين سنة أو أكثر كان عند رجل من مجتهدي الإمامية بمدينة لكناؤ في شمال الهند كتاب المنمق المنسوب إلى محمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة 245 ه/ 859 م، وكان اسم الرجل ناصر حسين، وكان يضن بالمنمق لندرته فإنه لا يوجد في المكاتب المعروفة في العالم نسخة أخرى له كما يشهد على ذلك بروكلمان في تاريخ أدب العرب [1] ، وفي سنة 1925 م سمع بعض رجال العلم في الهند عن المنمق، من بينهم الأستاذ الميمني السيد سليمان الندوي المغفور له مدير مجلة المعارف، فزاروا مكتبة المجتهد المذكور وقرأوا المنمق وعرفوا ما احتواه من المعارف القيمة، فنعتوه في المجالس ونوهوا بذكره في المجلات العلمية، ثم طلبت دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد (الهند) من المجتهد ناصر حسين أن يسمح بنقله للنشر، فأبى، فتحركت سلطات حكومة النظام بحيدرآباد، فأتاه ما لا قبل له بدفعه، فأذن لدائرة المعارف في نقله، فنسخه رجل عالم فيما أخبروني من خريجي مدرسة فرنغي محل بلكناؤ تحت إشراف الدائرة في سنة 1932 م، فسارت الأيام سيرها ولم يطبع الكتاب ولم يزل محفوظا في خزانة الدائرة لأكثر من ثلاثين سنة، حتى طلب مني الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف وأستاذ العربية بجامعة حيدرآباد في يوليو سنة 1963 م وأنا في حيدرآباد أبحث عن بعض الكتب المهمة لي أن أقوم بتصحيحه، فاعتذرت إليه واعتللت بأشغالي العلمية التي استغرقت كل PageV01P003
أوقاتي، فلم يستمع إلي ولم يزل يحثني حث صديق كريم حتى لم أجد غير التسليم سبيلا، وإني شاكر له ثقته لي.
وفي مستهل أغسطس سنة 1963 م بدأت في مهمتي، وكان المدير ألزمني ختم التصحيح والتعليق في ثلاثة أشهر لأنه كان مأخوذا من قبل الحكومة بأن يتم الطبع قبل مضي السنة المالية وهي تنتهي في مارس، فلما تصفحت الكتاب شعرت بأنه لا يمكنني إتمامه في الموعد المحدد إلا أن أبذل أقصى مجهودي، فتركت سائر أشغالي ما عدا واجباتي التدريسية بالجامعة، وقصرت همتي على المنمق، ومع ذلك كان سيري بطيئا والسبب أن الكتب عندي لم تكن كافية لأداء حق التصحيح، والدائرة لا تعير كتبها، ومكتبة جامعة دهلي ليست غنية في الكتب، فضاع كثير من وقتي في طلب حل مشاكل الكتاب هنا وهناك بغير جدوى وفي انتظار بعض الكتب المهمة من مكاتب خارج العاصمة، كان هذا شأن المطبوعات، فأما المخطوطات فلم يكن عندي واحدة منها، فكم مضت علي ساعات القلق والحيرة في تصحيح كلمة محرفة أو اسم ممسوخ، وكم وددت أن أنساب قريش للزبير بن بكار وأنساب الأشراف للبلاذري وتاريخ دمشق لابن عساكر كانت في متناولي، فإني كنت واثقا ولا أزال أن فيها مفتاح كثير من مشاكل المنمق.
وبعد أن قرأت الكتاب مستوعبا وفرغت من نسخ معظم حواشيه سافرت إلى لكناؤ في منتصف أكتوبر سنة 1963 م لمراجعة الأصل ولمقارنة نسختي به، وهذا الأصل وهو أصل فريد لا يوجد له ثان في أية مظنة من مظان الكتب كما قلت آنفا بالمكتبة الناصرية بلكناؤ، التي يتولاها ابن لناصر حسين المغفور له الذي أشرت إليه من قبل، وإن هذه المكتبة لمكتبة عامة منحتها حكومة أتربرديش مبلغا خطيرا لبناء عمارتها [1] بصفة كونها مكتبة مخطوطات ثمينة لإفادة الخاص والعام، أما الأمر فليس كذلك فإن الابن المتولي لا يزال يعتبرها [1] ملكا فرديا وورثة ورثها [2] من أبيه فلا يسمح لأحد بأن ينقل شيئا من كتب المكتبة أو يقابل بها نصا أو عبارة أو شعرا. فلما قابلته وطلبت PageV01P004