وكرر الوصف بقوله: {وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] . 25/و.
وقال عكرمة وابن جريح وبعض المتكلمين: المعنى ومن يقتل مؤمنا متعمدا، أي:
مستحلا لذلك؛ لأن المستحل لما حرم الله تعالى كافر؛ لأنه أحل ما حرم الله، فالخلود إذا إنما هو من هذه الطريقة.
والعرب تتمدح بإنجاز الوعد وخلف الوعيد، ويروى عن أبي عمرو أنه سمع عمرو بن عبيد ينكر هذا فعابه عليه، وأنشد:
وإني وإن أوعدته ووعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وجاء في الحديث "من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار إن شاء عذب وإن شاء غفر له".
* * *
قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] .
قرأ نافه وابن عامر والكسائي {غير أولي الضرر} بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، وقرئ في غير السبعة {غير} بالجر فوجه النصب: أنه حال، وإن شئت كان استثناء.
وأما الرفع: فعلى أنه نعت لقوله: {القاعدون} .
وأما الجر: فعلى أنه نعت للمؤمنين.
وأجود هذه القراءات: الرفع؛ لأن الوصف على {غير} أغلب من الاستثناء.
وقد زعم بعضهم أن النصب على معنى الاستثناء أجود؛ لتظاهر الأخبار بأنه نزل لما سأل ابن أم مكتوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حاله في الجهاد وهو ضرير فنزل: {غير أولي الضرر} . وهذا ليس بشيئ؛ لأن {غير} وإن كانت صفة فهي تدل معنى الاستثناء لأنها في كلتا الحالتين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتقال الضرر.
* * *
قوله تعالى: {واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] .
اختلف في الحنيف: هو المستقيم، وإنما قيل لأعوج الرجل حنيف تفاؤلا، يقال: حنف في الطريق إذا استقام عليه، فكل من سلك طريق الاستقامة فهو حنيف.
ويسأل: ما في اتباع إبراهيم من الحسن، دون اتباع ملة موسى وعيسى وغيرهما من النبيين؟
والجواب: أن إبراهيم - عليه السلام - قد رضى به جميع الأمم، وكلن يدعو إلى الحنيفية لا اليهيودية ولا النصرانية ولا الوثنية، فهو محق في دعائه إليها، وكل من استجاب له بإذن الله فيها فقدمع من المعاني المرغبة ما ليس لغيره.
واختلف في معنى الخليل:
فقيل: هو المصطفى بالمودة المختص بها.
وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، فخليل الله على هذا المحتاج قال زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم
ويسأل عن نصب {حنيفا} ؟
وفيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن يكون حالا من {ملة إبراهيم} ، وكان حقه أن تكون فيه الهاء؛ لأن (فعيلا) إذا كان بمعنى (فاعل) للمؤنث تثبت فيه الهاء نحو: رحيمة وكريمة وما أشبه ذلك، إلا أنه جاء مجئ (ناقة سديس وريح خريق) .
والجواب الثاني: أنه حال من المضمر في {واتبع} ، والمضمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والثالث: أنه يجوز أن يكون حالا من إبراهيم، والحال من المضاف إليه عزيزة، وقد جاء ذلك في الشعر قال النابغة:
قالت بنو عامر: خالوا بني أسد يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
أي: يا بؤس الجهل ضرارا. واللام مقحمة لتوكيد الإضافة.
* * *