قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأو
يله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران: 7] .
المحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشيء إذا ثقفته وأتقنته، وأم الكتاب: أصل للكتاب، والمتشابه: الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض، والزيغ: الميل، والابتغاء: التطلب، والفتنة: أصلها الاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار، أي: اختبرته، وقيل: معنها خلصته، والتأويل: المرجع. يقال: آل الأمر إلى كذا،
أي: رجع. وأكثر العلماء يعبر عنه بالتفسير.
والأول الأصل قال الأعشى.
على أنها كانت تؤول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا
أي: كان حبها صغيرا فآل إلى العظم كما آل السقب - وهو الصغير من أولاد النوق - إلى الكبر. والراسخون: الثابتون، والإيمان: التصديق.
فصل:
ومما يسأل عنه: أن يقال: ما المحكم، وما المتشابه هاهنا،
والجواب فيه خلاف، قيل: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ. وهذا قوا ابن عباس وقتادة.
وقال مجاهد: المحكم: ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه: ما اشتبهت: ما اشتبهت معانيه، نحو: {وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26] ، {والذين اهتدوا زادهم هدى} [محمد: 17] .
وقال محمد بن جعفر ن\بن الزبير: المحكم ما لايحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما يحتمل أوجها.
وقال ابن زيد: المحكم الذي لم يتكرر لفظه، والمتشابه: ما تكرر لفظه. قال جابر ابن هبد الله: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه: ما لا يعلم نعيين تأويله،
نحو: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} [الأعراف: 187] . فهذه خمسة أقوال للعلماء.
ويقال: ما معنى: {فيتبعون ما تشابه منه} ؟
والجواب: أنهم يحتجون به على باطلهم.
فإن قيل: ففيمن نزلت؟
والجواب: نزلت في وفد نجران لما حاجوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في عيسى بن مريم - عليه السلام - فقالوا أليس هو كلمة الله وروحا منه، فقال: بلى، وقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] ثم أنزل: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] .
وقيل: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة - كالحرورية والسبئية، وهو قول قتادة.
ومما يسأل عنه الملحدون هذه الآية، وذلك أنهم يقولون: لم أنزل في القرآن المتشابه والغرض به هداية الخلق؟
والجواب: أنه أنزل للاستدعاء إلى النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما أتى به النبي - عليه السلام - حق لجوز أن يكون الخبر كذبا وبطل دلالة السمع.
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال: ففي أي شيء يقع المتشابه؟
قيل: في أمور الدين، كالتوحيد ونفي التشبيه، الآ ترى أن قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره، ويحتمل أن يكون بمعنى القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
واستواء الجالس لا يجوز على الله - عز وجل - ونحو قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] ، يحتمل في اللغة أن يكون ساق الإنسان وساق الشجرة، والشدة من قولهم: قامت الحرب على ساق. والوجهان الأولان لا يجوزان على الله في أشباه لذلك.