قوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79]
يقال: مسست الشيء أمسه مسا، ويقال: لامساس ولامساس.
واختلف في قوله: {إلا المطهرون} :
فقال: ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وأبو نهيك ومجاهد:
المعنى: لا يمس الكتاب الذي في في السماء إلا المطهرون من الذنوب وهو الملائكة، وقيل: إلا المطهرون في حكم الله عز وجل، وقيل: لا يمس القرآن إلا المطهرون، أي: من كان على وضوء، وهو قول مالك.
واختلف في {لا} :
فقيل: هي نافية، و (يمس) فعل مستقبل، والمعنى: ليس يمسه، على طريق الخبر، وليس بنهي. وقيل: هو نهي، وجاء على لغة من يقول: مد يا فتى، ومس يا فتى؛ لأن في هذا الفعل لغات:
منها: أن تفتح آخره فتقول: مس ومد. وهذا أفصح اللغات.
ومنها: أن تضمه فتقول: مس ومد.
ومنها: تكسره فتقول: مس ومد، قال الراجز:
قال أبو ليلى لحبل مده حتى إذا مددته فشده
إن أبا ليلى نسيج وحده
ومنها: أن يفتح ما كان على (فعل) (يفعل) نحو: مس وسف؛ لأنه من مسست وسففت، ويضم ما كان على (فعل) (يفعل) نحو: مد وعد، ويكسر ما كان على (فعل) (يفعل) نحو: مر وفر، وهذه لغات أهل نجد، فأما أهل الحجاز فإنهم يظهرون التعيف، فيقولون: أمسس وأمدد وأفرر، وعليه قوله تعالى: {ومن يرتدد منكم} [البقرة: 217] ، فإذا ثنوا أو جمعوا لم يجز إظهار التضعيف، ورجعوا إلى اللغة الأولى كراهة لاجتماع المثلين.
وقال الفراء في قوله: {لا يمسه} أي: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، يعني القرآن.
قوله تعالى: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 81-82] .
المدهن: المظهر خلاف ما يبطن، ومنه قوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] ، ويعني به هاهنا: تامنافقون، وقال الفراء: يعني به: الكافرون، يقال: أدهن، أي: كفر، وأصله: من الجهن، كأنه يذهب في خلاف ما يظهر، كالدهن في سهولة ذلك عليه وإسراعه إليه.
وقوله: {أنكم تكذبون} فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى: وتجعلون حظكم من الخبر الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به.
والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون.
قال الفراء: جاء في الأثر أن معنى {رزقكم} شكركم، قال: وهو حسن في العربية، لأنك تقول: جعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي، فيكون المعنى: جعلت ثواب الزيارة ذلك، ومثله: قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] .، أي: ما يقوم لهم مقام البشارة عذاب أليم؛ لأن البشارة لا يكون إلا في معنى الخير.
* * *