ولو كان شيء خالدا أو معمرا لكان سليمان البري من الدهر
براه إلهي واصطفاه عباده وملكه ما بين ثريا إلى مصر
وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر
وقال تعالى" {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158] ، وقال: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} [الصافات: 158] ، فالجن هاهنا الملائكة بلا خلاف؛ لأن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فرد الله عليهم. وأما قوله: إن لإبليس نسلا وذرية، والملائكة ليست كذلك، فلا دليل فيه؛ لأن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض ولعنه تغيرت حاله عن حال الملائكة، فإذا كان كذلك لم تصح الدلالة بذلك، وأما قوله: أنه مخلوق من النار والملائكة خلقوا من الريح، فقال الحسن: الملائكة خلقوا من النور، والنار والنور سواء، وقوله: الملائكة لا يطعمون ولا يشربون، والجن يطعمون ويشربون، فقد جاء عن العرب ما يدل على أنهم لا يطعمون ولا يشربون.
أنشد أبو القاسم الزجاجي.
قال أنشدنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم:
ونار قد حضأت بعيد وهن بدار ما أريد بها مقاما
سوى تحليل راحلة وعين أكالئها مخافة أن تناما
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما
فقلت إلى الطعام، فقال منهم زعيم: نحسد الأنس الطعاما
لقد فضلتم بالأكل فينا ولكن ذاك يعقبكم سقاما
فهذا يدل علة أنهم لا يأكلون ولايشربون؛ لأنهم روحانيون. وجاء في بعض الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث، قال: لأن ذلك طعام الجن، وطعام دوابهم، فإن صح ذلك، فلأنهم لما سكنوا الأرض خالفوا حكم الملائكة؛ لأنهم خرجوا من جملتهم بعصبية إبليس. زقيل في تأويل الحديث، أنهم يتشممون ذلك ولا يأكلون، والقول الأول: قول الحسن، والثاني: قول الجمهور من العلماء، وروي عن ابن عباس القولان جميعا.
وروي عن ابن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرا مع الملائكة، فتعبد معها بالأمر بالسجود، فلذلك قال الله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن} [الكهف: 50] .
ويسأل عن سجود الملائكة لآدم على أي وجه كان؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنه كان على وجه التحية لآدم، والتكرمة والعبادة لله تعالى لا لآدم، وهو قول قتادة. والثاني: أنه كان على معنى القبلة، كما أمروا بالسجود إلى القبلة. والوجه الأول أبين.
فصل:
ويسأل عن قوله: {وكان من الكافرين} [البقرة: 34] .
ما معنى (كان) ؟
الجواب: أن بعضهم قال المعنى: وصار من الكافرين، وقيل: كان في علم الله من الكافرين، وقال بعضهم: كان كافرا في الأصل.