قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم} [الدخان: 56] .
يقال لم استثنى هاهنا الموتة الأولى، وهي قد انقضت؟.
والجواب: أنه استثنى من غير الجنس، والتقدير على مذهب سيبويه: لكن الموتة الأولى، ومثله: ما زاد إلا ما نقص، أي: لكن نقص.
قال الفراء: (إلا) هاهنا بمعنى (سوى) والتقدير: سوى الموتة الأولى، ومثله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] .
وقال غيره: {إلا} بمعنى (بعد) ، والتقدير: بعد الموتة الأولى، وإنما جاز أن تقع (إلا) موقع (بعد) لأن (إلا) لإخراج بعض من كل، و (بعد) لإخراج الثاني عن الوقت الأول.
والموتة: المرة الواحدة من الموت، والميتة الموت، والميتة - بفتح الميم - الميتة، وكثير من المحدثين يغلط في مثل هذا فيقول في (البحر) : (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) - بكسر الميم - والصواب فتحها.
{ومن
سورة الجاثية
* * *
قوله تعالى: {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحي
ا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} [الجاثية: 3-5] .
يقال: ما الآيات في السموات والأرض؟
والجواب: الدلائل، وهي من وجوه كثيرة:
منها: أنه يدل خلقها على خالف لها؛ لأنه لا يكون بناء بغير بان.
ومنها: أنها أعظم الخلق.
ومنها: أنها محكمة على اتساق ونظام، وهذا يدل على أن صانعها واحد، وعلى أنه قديم؛ لأنه صانع غير مصنوع.
ومنها: أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد ... إلى أشباه ذلك.
ويسأل: عن الآيات في خلق الإنسان؟
والجواب: أنها من وجوه:
منها: خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لما يصلح له، وذلك يقتضي أن الصانع عالم بموضع المصالحة.
ومنها: جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها.
ومنها: آلة مطعمه ومشربه، ومثال ذلك، كل هذا في تدبير محكم.
قرأ الكسائي وحمزة {آيات} بالكسر، وقرأ الباقون بالرفع في الثانية والثالثة، فمن كسر (التاء) جعل (الآيات) في موضع نصب على التكرير للتوكيد، والعرب تؤكد بتكرير اللفظ، نحو قولك:
رأيت زيدا زيدا. ومثله قوله الراجز:
لقائل يا نصر نصرا نصرا
هذا مذهب حذاق النحويين، وقال الأخفش: هو عطف على عاملين، كأنه قال: إن في السموات والأرض لآيات وفي خلقكم آيات، فعطف على (إن) و (في) وأنشد:
سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكي أما لزوجة فسبع وأما خلة فثماني
فعطف (خلة) على زوجة، و (ثمانيا) على سبع، وأنشد سيبويه:
أكل امرئ تحسبين امرا ونار توقد بالليل نارا
فعطف (نارا) الأولى على (امرئ) الأول، وعطف (نارا) الثانية على (امرئ) الثاني، ومثل ذلك:
وهون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
والعطف على عاملين عند البصريين لا يجوز، لا تقول: في الدار زيد والسوق عمرو، وأنت تريد: وفي السوق عمرو؛ لأن حرف الجر ضعيف، فلا يعمل بعد الفصل بالأجنبي.
وأما من رفع فإنه جعل (الآيات) الثانية رفعا بالابتداء والخبر المجرور الذي {في خلقكم} [الجاثية: 4] وجعل (الآيات) الثالثة تكريرا للثانية، قال الفراء: العرب تقول: إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال كثير، فينصبون الثاني ويرفعونه، وأجاز الفراء رفع