قوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ال
صابرين} [الصافات: 101-102] .
قوله: {ماذا ترى} من الرأي، أي: ما رأيك في ذلك، وقال الفراء المعنى: ماذا تريني من رأيك أو ضميرك، و (رأى) في الكلام على خمسة أوجه:
- بمعنى أبصر، نحو: رأيت.
- وبمعنى علم، نحو: رأيت زيدا عالما.
- وبمعنى ظن، نحو قوله: {إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا} [المعارج: 6-7] ، فالأول بمعنى الظن، والثاني بمعنى العلم.
- وبمعنى أعتقد، نحو قوله:
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول
- وبمعنى الرأي، نحو قولك رأيت هذا الرأي.
فأما (رأيت في المنام) فمن رؤية البصر، فلا يجوز أن تكون (ترى) هاهنا بمعنى تبصر؛ لأنه لم يشر إلى شيء يبصر بالعين، ولا يجوز أن تكون بمعنى (علم) أو (ظن) أو (اعتقد) ؛ لانه هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى، فلم يبق إلا أن يكون من (الرأي) والمعنى: ماذا تراه.
واختلف في جواب {لما} :
فقيل: هو محذوف، والمعنى: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه فازا أو ظفرا بما أرادا.
وقيل: (الواو) زائدة: والمعنى: فلما أسلما تله للجبين. والتل: الصرع.
وقيل في معنى قوله: {بلغ معه السعي} : أطاق أن يسعى معه، وهو قول مجاهد، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو السعي في العبادة.
وقيل: إنه أمر أن يقعد مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح على ما رآخ في منامه، ففعل، وقيل: إنه أمر على شرط التخلية والتمكين، فكان - كما روي - أنه: كلما اعتمد بالشفرة انقلبت، وجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وقيل: بل ذبح، ووصل الله تعالى ما فراه بلا فصل.
واختلف في الذبيح:
فقيل: هو إسماعيل، وقيل: هو إسحاق، روى محمد بن خالد عن سلم بن قتيبة عن مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أنه قال: الذبيح إسحاق، وروى أبو الخطاب حدثنا أبو داود عن زيد عن عطاء عن سماك
ابن حرب عن محمد بن المنتشر عن مسروق أنه كان يقول: الذبيح إسحاق، وروى إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى اليمان عن إسرائيل عن ثور عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل، وروى محمد بن عبيد حدثنا مسلم بن إبراهيم عن الحجاج بن الحجاج عن الفرزدق همام بن غالب قال: سمعت أبا هريرة على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: الذبيح إسماعيل، والأول قول علي وابن مسعود والحسن وكعب الأحبار، والثاني قول محمد بن كعب وسعيد بن المسيب وابن عباس والحسن بخلاف.
وقيل: كان الذبيح يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أنا ابن الذبيحين) ، فهذا يدل على أن الذبيح (إسماعيل) ؛ لأن النبي - عليه السلام - من ولد إسماعيل، والذبيح الثاني (عبد الله) أب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
حدثني أبي عن عمه حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي عن أبي محمد عبد الملك بن هشام عن زياد
بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن دريد الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحدث، قال: كان عبد المطلب نائما في الحجر، فأتاه آت، فقال: احفر طيبة، قال عبد المطلب: وما طيبة؟ قال: فذهب عني، قال عبد المطلب: فلما كان الغد رحعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ قال: فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ قال: فذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت، فجاءني فقال: احفر زمزم، قلت وما زمزم؟ قال: لا ينزف أبدا ولا يندم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل، قال: فلما بين شأنها، وعرف موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، وليس له يؤمئذ ولد غيره، فحفر فلما بدا له الفئ كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا له: يا عبد المطلب، إنما بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيكحتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا كاهنة بني سعد ابن هذيم، قال: نعم، وكانت بأطراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر والآرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، فقالوا إنا بمفاوز، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأي عبد المطلب ذلك قال لأصحابه ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب، قالوا نعم ما أمرت به، ففعلوا ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: