ولأن هذا نسخ للحظر والحظر قد ينسخ بإباحة وقد ينسخ بالإيجاب وليس حمله على الإباحة بأولى من حمله على الإيجاب فتعارض الاحتمالان في ذلك وبقي اللفظ على مقتضاه في الإيجاب
ولأنه لو جاز أن يقال هذا في الأمر بعد الحظر إن القصد به رفع الجناح فلم يقتض الجواب لجاز أن يقال في النهي بعد الأمر إن القصد منه إسقاط الوجوب وإباحة الترك فلا يقتضي الحظر
واحتجوا بأن كل أمر ورد في الشرع بعد الحظر فالمراد به الإباحة كقوله
عز وجل {وإذا حللتم فاصطادوا} {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا} {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} فدل على أن هذا مقتضاه
فالجواب أنه قد ورد أيضا والمراد به الوجوب وهو قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}
وعلى أنا إنما حملنا هذه الأوامر على الإباحة بدلالات دلت عليها وهذا لا يدل على أن ذلك مقتضاها ألا ترى أن أكثر ألفاظ العموم في الشرع محمولة على الخصوص ثم لا يدل على أن مقتضاها الخصوص فكذلك ههنا
واحتجوا بأن الأشياء في الأصل على الإباحة فإذا ورد بعد الحظر ارتفع الحظر وعاد إلى الأصل وهو الإباحة
والجواب أنا لا نسلم أن الأشياء في الأصل على الإباحة بل هي على الوقف في أصح الوجوه
وعلى أن هذا يبطل به إذا قال بعد الحظر أوجبت فإنه يحمل على الوجوب ولا يقال إن الأشياء في الأصل على الإباحة فيرتفع الحظر بهذا اللفظ ويعود إلى الأصل وهو الإباحة
ولأنه لو جاز أن يقال هذا في الأمر بعد الحظر لجاز أن يقال في النهي بعد الأمر إنه لا يقتضي التحريم لأن الأشياء في الأصل على الإباحة فإذا ورد النهي بعد الأمر ارتفع الوجوب وعاد إلى أصله وهو الإباحة ولما لم يصح هذا في النهي بعد الأمر لم يصح في الأمر بعد النهي
مسألة 6
الأمر المجرد لا يقتضي التكرار في قول أكثر أصحابنا ومنهم من قال إنه يقتضي التكرار
لنا أن قوله صل أمر كما أن قوله صلى خبر عنه ثم ثبت أن قوله صلى لا يقتضي التكرار فكذالك قوله صل
وأيضا أن قوله صل وصم لا يقتضي أكثر من إيجاد ما يسمى صلاة وصوما
يدل عليه أنه إذا فعل صوما وصلاة حسن أن يقول صمت وصليت فإذا فعل ما يقتضيه اللفظ لم تلزمه زيادة إلا بدليل
ويدل عليه أنه لو حلف ليفعلن كذا بر بفعل مرة واحدة ولو كان اللفظ يقتضي التكرار لما بر بفعل مرة واحدة كما لو حلف ليفعلن كذا على الدوام
وأيضا أنه لو قال لوكيله طلق امرأتي لم يجز أن يطلق أكثر من طلقة فلو كان الأمر يقتضي التكرار لملك الوكيل إيقاع ثلاث تطليقات كما لو قال طلق ما شئت أو كل ما أملكه
فإن قيل مقتضى اللفظ في اللغة في ما ذكرتم من اليمين والتوكيل التكرار وإنما تركنا مقتضى اللفظ بالشرع ويجوز أن يكون اللفظ في اللغة يقتضي أمرا ثم يقرر الشرع فيه على غير مقتضاه في اللغة فيحمل على ذلك ولا يدل على أن ما في لم يقرر الشرع فيه شيئا لا يحمل على مقتضاه في اللغة كما لو حلف لا يأكل الرؤوس فإنا نحمل ذلك بالشرع على رؤوس النعم خاصة ثم لا يدل على أن الرؤوس في اللغة لا يقتضي سائر الرؤوس
والجواب عنه أن الأمر في اليمين والوكالة محمول على موجب اللغة والشرع ورد فيهما بمراعاة موجب اللغة ولهذا لو قيد كل واحد منهما بما يقتضي التكرار لحمل على التكرار وهو أن يقول والله لأفعلن كذا أبدا أو يقول لوكيله طلق امرأتي كل ما أملكه من الطلاق فلو لم يكن مقتضى اللفظ في اللغة ما ذكرناه لم يحمل عليه